تنشط «قواعد الدواعش» هذه الأيام في التحريض على من يسمونهم بـ»الليبراليين»، وعندما يقول الداعشي المستتر «ليبرالي» فإنه يقصد كل صحيفة أو منبر أو كاتب مخالف لفكره المنغلق الذي تجاوزه الزمن، والذي يجري اليوم تطهير المجتمع منه ومن ظلاميته، التي امتدت لعقود وكادت أن تأخذنا إلى رجعيته لولا أصحاب الوعي المتقدم من الذين كانوا يوصمون بالليبرالية - بتعريفها الداعشي -، أولئك الذين جاهدوا بفكرهم وأقلامهم وصحفهم كل الأفكار الداعشية والظلامية التي كان المساس بها يعدّ خطاً أحمر، ذلك عندما كان الذي يتحدث في بعض القضايا الخلافية أو الجديدة إنما كان يلقي بنفسه إلى التهلكة.

الليبرالية ليست تهمة ولا ديناً أو مذهباً بل هي موقف وإيمان بحق الفرد في الاختيار المتماهي مع الخطوط العريضة، كما أنها ليست دعوة للفوضى والبهيمية كما يحاول أن يصورها البعض، وإنما احترام لخيارات الأفراد وللعقد الاجتماعي، وتسعى دولها جاهدة لتطويعه لصالح الفرد، ولا تستسلم للهالات حول بعض القضايا والتابوهات، بل جوهرها أنها متغيرة وتطلب التغيير بشكل دائم.

وقد شوه البعض صورة الليبرالية رغم الشواهد الماثلة في بعض المجتمعات المتقدمة، وعندما ارتفع مستوى الوعي بالليبرالية اخترعوا وصف «الليبرالية السعودية» حتى يتم عزلها عن المبادئ لليبرالية، ويتم تقديم الليبرالي وكأنه كائن منفلت بلا مشروع وبلا رسالة، ويجري بكل أسف قولبته كما يشاء التيار الظلامي.

ومع الإيمان أنه لا يحق لأحد إلزامي بأي توجه كما لا يحق لي إلزام الناس بما أعتقد، لكن عندما تصل المسألة إلى التحريض ونشر الكراهية فإن المسألة تتحول من مجرد رأي يمكن أن نلقيه في سلة المهملات إلى عملية تحريض وإرهاب فكري تستوجب التحذير منه؛ لأنه أصل المشكلات، وأساس البلاء حيث رفض الآخر والتحريض عليه!

وبلا شك فإن هؤلاء المحرضين ليسوا إلا «دواعش» متسترين، وآثروا «التحريض والهشتقة»، وهم أخطر من (دواعش الرقة)؛ ووجود مثلهم يهدد السلم الاجتماعي، فهم يحرضون على مخالفيهم، ويرفضون المشروع الوطني الذي يتعارض مع مشروعهم الظلامي.

وإذا كانت الأمور بنتائجها وعلى فهمهم وتسطيحهم فإن الانغلاق أثبت عدم صحة طرحهم في نهاية المطاف.