«لا تعش فاتراً، اختيارك أن تحيا بفتور فذلك هو الانتحار البطيء».. يكرر معلمو فن الحياة هذا التحذير، ويدفعون مريديهم للانغماس في اللحظة، بحيث يختفي كل ما عداها، لا ماض ولا حاضر، لا وجود للحظة خارج هذه اللحظة الآنية، اليقين هو أن تمحو كل شيء وتغوص فيما بين يديك، الزمن الذي بين يديك، والأمر الذي تملأ به ذلك الزمن، سواء بدا ذلك الفعل صغيراً يومياً أو خطيراً مغيراً للتاريخ، فعل الأكل مثلاً، يجب ألا يقل حضورك فيه عن فعل الإبداع، حين توقف الزمن وتنجح في تمديده حول اللقمة التي تلوكها في فمك، فإن فعل الأكل يتحول إلى ما يشبه العبادة، حين تتأمل في المذاق وفي تنويع التركيبة التي تتكون منها تلك اللقمة البالغة البساطة؛ إذ في مملكة الخلق لا شيء بسيطا، لقمة الخبز هي تاريخ حافل من مذاق التربة والشمس والماء الجاري وعرق الخباز وأحلامه ولفحة نار الفرن والهواء وقطرات الزيت التي ترجع لحقل آخر ووجود إعجازي آخر، وفي النهاية لا سبيل للاستهانة بمرجعية قطرة زيت أو ذرة ملح أو ماء، لا حد لرحلة الإبداع التي تختزلها لقمة خبز تأوي للعابنا لتذوب وتنحل في خلايا الجسد، بينما وبحكم العادة فإننا غالباً ما نقدفها في أفواهنا بفتور، وبما هو أشبه بالتسطيح، ولعل ما يدعو إلى التهكم أن نتساءل: من منا يتوقف باللقمة في فمه، يتأملها ويغوص في النعمة والبركة التي تحملها؟

يعتقد الروحانيون أن كلية الوجود تتلخص في النور، ومنها الوجود الملائكي ما قبل الخلق الأرضي، كلية الحياة على الأرض وفي الجسد تتلخص في النار، هذه النار التي تذوب وتتأجج في العروق، النار التي تتوالد من تداخل البناء والهدم، النار التي ظاهرها الصراع وباطنها التوق والعطش للكمال المستحيل، وفي ذلك المستحيل ورويداً رويداً يتكامل النضج، نضج النور المضمر في الطين، وإننا وحين نلتفت بوعي لتلك النار فغالباً ما يحدث الانقلاب من الفتور للحدة، مثل يرق يخترقك، وللحال يختلف مذاق الحياة ويضرب للعمق، تصبح اللحظة كوناً لا نهائياً، ويتنور وجودك ببهجة لا تُحد.

لذا يحث معلمو فن الحياة تلامذتهم، «لا تغفل ولا للحظة عن حقيقة أن هناك نارا مضمرة في كل لحظة، في الآن نار، توقف بالآن، توقف بالذرة، لتنبش بشغف عن تلك النار، لا تخمدها بالغفلة أو بالجشع؛ لأن الإفراط في إلقاء الحطب للنار يُفني أشجار الكون، ويُنَفِّر بجحيمها خضرة الحياة، لا تلقِ بالنعم لجوفك كالمسعور، ستصاب بالتخمة ولن تدوم في وعيك فرادة المذاقات، استحضر المودة والامتنان تجاه طاقة الإحياء المُضمرة في اللحظة، امنح كل لحظة حقها من الاستشعار، وستمنحك مذاق حقيقة الوجود اللامحدود في كل ذرة وجود، امنح نفسك اللامحدود في المحدود، الكثير في القليل، امنح وجودك الأرضي الأبدية الكامنة بصمت واختزال في الآن».