بدأت الحرب الإعلامية بين طهران وواشنطن، وستعقبها مرحلة التصعيد على الأرض في الرابع من نوفمبر بين إرهاب إيراني أجير لنشر الفوضى وتنسيق هجمات إلكترونية محتملة، وبين ردة فعل أميركية من الداخل الإيراني ليواجه النظام مصيره..

التكتيك الإيراني في إدارة الأزمات السياسية لا يلجأ إلى التغلب عليها، أو التخفيف منها، أو على الأقل احتواء الأطراف الفاعلة فيها، وإنما يأخذ مساراً آخر في افتعال أزمات موازية للأزمة الرئيسة، وتصديرها خطابياً، ثم إطلاق العنان لها عبر وكلاء جاهزين لتنفيذ ما يطلب منهم على الأرض، من خلال وسطاء إيرانيين يوجهون العملاء في الميدان، وكل ذلك تجنباً لمواجهات عسكرية محتملة معها.

خطاب الرئيس حسن روحاني أمام تجمع لدبلوماسيين إيرانيين قبل أيام، لم يتناول فيها أزمة بلاده بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، أو يبحث وسائل التعامل مع تداعياتها، وقبل ذلك مسبباتها، وإنما بادر كعادة الإيرانيين في افتعال أزمة جديدة موازية في حجمها مع الأزمة الرئيسة، والمساومة عليها، حيث بدأت الأزمة الموازية بخطاب تهديد مباشر للولايات المتحدة الأميركية، وللرئيس ترمب شخصياً بألا يلعب بالنار وإلاّ سيندم، واصفاً روحاني الحرب مع إيران أنها أم كل الحروب، ثم أطلق تهديداً آخر بإغلاق مضيق هرمز لتعطيل الملاحة العالمية، ومنع أساطيل النفط من المرور من المضيق.

الرئيس ترمب رد على الخطاب الإيراني بتغريدات مباشرة محذراً إياها من سلوك طريق التهديد مع الولايات المتحدة الأميركية مرة أخرى، ثم بعث وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بتغريدة إلى ترمب: «كن حذراً»، أما وزير الخارجية الأميركي فقد وصف النظام الإيراني بما يشبه «عصابة المافيا»، بينما تعامل بدبلوماسية ناعمة مع الشعب الإيراني، وذلك خلال لقائه مواطنين أميركان من أصول إيرانية في كاليفورنيا.

نحن الآن في (المرحلة الأولى) من المواجهة بين طهران وواشنطن، ويطلق عليها الحرب الإعلامية، ويتخللها غزل سياسي من إيران لدول الخليج، وللمملكة تحديداً، وهو الأمر الذي فات عليه الكثير، حيث يستمر خطاب الأزمة بين الإيرانيين والأميركيين إلى الرابع من شهر أغسطس المقبل، حيث تبدأ أولى العقوبات الأميركية على طهران في الذهب والمواد الغذائية، ثم يأخذ الخطاب تصعيداً خطيراً في الرابع من شهر نوفمبر حينما يتوقف النفط الإيراني عن التصدير، وتخرج ما تبقى من الشركات العالمية من العمل في إيران، لتبدأ بعدها (المرحلة الثانية) من الأزمة على الأرض، حيث تتحرّك القوى الإيرانية بالنيابة في شن عمليات إرهابية على نطاق واسع، من بينها عمليات قرصنة إلكترونية سبق وأن حذرت أميركا حلفاءها منها قبل أيام، إلى جانب نشر الفوضى في دول عربية.

في هذه المرحلة التي تعد الأخطر، والأصعب، لن تجرؤ إيران على إغلاق مضيق هرمز، لأنها تدرك أن الرد سيكون عسكرياً، ولكنها ستتحول إلى ما تعتقد أنها ستتحصل عليه من مكاسب الإرهاب والفوضى ليكون رصيد ضغط على أي حوار سياسي محتمل مع واشنطن في المستقبل، وهو الهدف الذي تريد أن تصل إليه إيران من الجلوس على الطاولة من دون أن تستسلم، وإنما تناور لكسب الوقت، وربما تتوافق على صيغة أخرى من الاتفاق النووي مع أميركا في أسوأ الاحتمالات كبديل عن المواجهة المباشرة.

طبعاً هذا السيناريو من الجانب الإيراني سوف تقابله واشنطن وحلفاؤها بسيناريو مضاد آخر، وهو تصعيد الأزمة في الداخل الإيراني، حيث بدأت إرهاصاته مع إعلان الدبلوماسية الإعلامية لتهيئة الرأي العام الإيراني في الداخل، من خلال وسائل إعلام واتصال تبثها واشنطن باللغة الفارسية على مدار الساعة لدعم الصوت الإيراني، إلى جانب تحريك المعارضة الإيرانية في الخارج، فضلاً عن القوى الفاعلة في الداخل، كذلك ما تسفر عنه تداعيات العقوبات الاقتصادية على إيران من ردود فعل شعبية واسعة لن يقوى عليها الحرس الجمهوري، ولا الحكومة، ولا النظام بأكمله، حيث سيخرج الشعب المغلوب على أمره ليعيد الأزمة إلى الداخل، وحينها تكون المواجهة ولحظات السقوط المتوقعة.

إيران تراهن على (المرحلة الثانية) من الأزمة، وواشنطن وحلفاؤها كذلك، وهو ما يعني استبعاد أي مواجهة عسكرية محتملة، ولكن يبقى الأهم أن تتهيأ دول المنطقة، والخليج تحديداً من تداعيات تلك المرحلة، وأهمها تحييد الدور القطري الداعم للإرهاب، وتعجيل الحل السياسي في اليمن، وتعزيز الجبهة الداخلية من أي مظاهر اختراق، وتعزيز العمل الأمني الاستباقي، والدور الاستخباراتي في تبادل المعلومات، وبناء حوائط الصد الإلكترونية لمواجهة أي هجوم تقني محتمل.