أثار شجوني كثيراً ما قرأته عن قصة ذلك الشاب السعودي، الذي نذر نفسه لرعاية الأيتام، وجهوده الشخصية نحو رفع مستوى وعيهم ليتجاوزا مشاعر اليتم والافتقاد اعتماداً على أنفسهم، مقدماً بزيارته لقرابة 28 دولة في قارة أفريقيا تجربة إنسانية ثرية، تنزع نحو البشر، وتتعالى على اختلافات العرق واللون واللغة والدين.

تجربة الشاب علي الغامدي، والتي للأسف لا تجد - شأنها شأن كل السلوكيات النموذجية - من يسلط عليها الأضواء مجتمعياً، في زحمة مشاغل الحياة ومتاعبها وصراعات السياسة ومنافسات الأندية وكرة القدم، تستحق ما هو أكثر من الإشادة والتقدير، لأنها ترسم للجميع مدى الثراء الأخلاقي الذي يميز هذا الوطن قيادة وشعباً، وينثرونه في بقاع مختلفة من العالم.

فـ»الغامدي» الذي فكر وزوجته قبل عقدين تقريباً، في احتضان طفلٍ من ذوي الاحتياجات الخاصة، لم يقف عند مثل هذه الرغبة الشخصية، ولكنه تعدّاها لإطارها الإنساني الأشمل والأوسع، ببحثه عن ثقافات مختلفة، حتى توصل لعدة دور أيتام في شرق آسيا، وسافر للفلبين وماليزيا وكوريا الجنوبية، حيث أنفق 4 سنوات من عمره يعمل على رعاية الأيتام هناك، قبل أن ينتقل للدول العربية والأفريقية، لتكون النقلة الكبرى في مسيرة هذا النموذج السعودي، الذي يجدد ما سبق وفعله الداعية الكويتي الراحل عبدالرحمن السميط.

بدأ العمل متطوعاً وبمفرده دون تبعية لجهة أو مساعدة من أحد سوى أسرته المكونة من زوجته وبناته وابنه، وأخذ قروضاً بنكية مجدولة على عدة سنوات، يتم تجديدها من أجل هدفه النبيل، ليجد نفسه بعد عدة سنوات يرعى مشروعاً يضم أكثر من 7 آلاف طفل و2000 أسرة، و21 داراً للأيتام ومشروعات طبية لعلاجهم بالتنسيق مع عديد المتطوعين لتشغيلها.. والتي بلغت 28 مشروعاً خيرياً وإغاثياً في الفترة بين العامين 2015 و2018..

هذا النموذج السعودي المضيء، هو ما يجب إلقاء الضوء عليه واتخاذه مشعلاً تنويرياً إنسانياً، ينطلق من قيم دين حنيف نؤمن ونتمسك به، وترسيخاً لتقاليد مجتمع عريق، وتعميقاً لمبادئ أخوة بشرية نسعى لتعزيزها، ويحتاج من وسائل إعلامنا كافة إبرازه بشكل مباشر لتفعيل أمثاله من النماذج الطيبة التي لا تنضب على هذه الأرض الطيبة في الداخل والخارج.

ألف تحية للشاب السعودي علي الغامدي، وتقديراً كبيراً للبذرة والفكرة والإرادة ونبل الهدف.