عندما أتم النبي إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام بناء الكعبة أمرهما الله بدعوة الناس إلى الحج في قوله تعالى: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ). فقام إبراهيم صلوات الله عليه على مقامه فنادى: «يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا بيته العتيق». فانطلقت وفود الحجيج باتجاه الكعبة المشرفة، كما ذكرت الآية الكريمة، «من كل فج عميق» وهم يرددون: «لبَّيك اللهمّ لبَّيك». ومن يحج من ذلك الوقت إلى يوم القيامة فهو ممن أجاب إبراهيم عليه السلام. ظل الحرم المكي الشريف مقصد المسلمين منذ ذلك الوقت، وقد تعاقب على الإشراف عليه العديد من الدول. لكن لم يشهد هذا الحرم، والحرم المدني الشريف، عناية ورعاية كالتي يشهداهما في ظل العهد السعودي الزاهر؛ فمنذ تأسيس المملكة على يد المغفور له بإذن الله الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود إلى يومنا هذا والمملكة تجند طاقاتها كافة للعناية بهما وبشعيرة الحج التي تمثل الركن الخامس من أركان الإسلام.

حرص حكام المملكة على إظهار تشرفهم بخدمة الحرمين وزوارهما من خلال اتخاذهم لقب «خادم الحرمين الشريفين» لقباً رسمياً، كما رصدوا الميزانيات الكبيرة لتوسعتهما من أجل توفير سبل العناية والراحة بزوارهما، كما وفروا الخدمات الصحية واللوجستية والدينية والاجتماعية... إلخ لمرتاديهما. أما أكبر جوانب حرص حكومة المملكة على حجاج بيت الله الحرام ونجاح مواسم الحج المختلفة هو حرصها على عدم تسييس الحج. وهذا النأي بالحج والحجاج عن منعطفات السياسة يعتبر أكبر نجاح للمملكة في الإشراف على الحج والحرمين الشريفين. فمنذ أن يقرر الحاج المسلم أداء فريضة الحج من أي مكان كان وهو في جو فكري آمن بعيداً عن التنازعات الطائفية أو العرقية أو السياسية سواء عبر ما توفره سفارات خادم الحرمين الشريفين في العالم أو عبر فتاوى علماء المملكة. وحين يدخل أرض المملكة المباركة يقابل بالورود والترحاب وتسهيل الخدمات بصفته حاجاً مسلماً دون السؤال عن توجهه المذهبي أو قناعاته السياسية. وهذا يعني أن حكومة المملكة لم ولن تعمل على تسييس الحج حرصاً على وحدة العالم الإسلامي الذي تمثل منه القلب من الجسد.

فمن يعمل إذاً على تسييس الحج؟ ولماذا يعمل على ذلك؟ إذا عرفنا هذه الجهات ودوافعها سيبطل تعجبنا من توجهاتها. لم يعمل أحد على تسييس الحج سوى نظام إيران الإرهابي وأذنابه الثلاثة: تنظيم الحمدين، وميليشيا الحوثي، وحزب اللات. والدافع الرئيس لهم الرغبة في تفتيت وحدة العالم الإسلامي الذي يمثل نجاح مواسم الحج أحد أهم مظاهر وحدته. أما الدافع الثاني فهو أن هذه الجهات إرهابية، ومصنفة دولياً على هذا الأساس، وهنا تعتبر الدعوة إلى تسييس الحج استمراراً لهذا النهج الإرهابي القائم على التدخل في شؤون الدول، بل في هذه الحالة التدخل في شؤون العالم الإسلامي. لذلك نجد مؤخراً تطابقاً واضحاً بين الموقف الحوثي والقطري، حيث طالبا اليمنيين والقطريين بعدم الحج، واستمرا في اتهام المملكة بمنع الحجاج من البلدين من أداء هذه الفريضة! إن حكومة المملكة ترحب بجميع الحجاج وعلى رأسهم حجاج قطر. وأمام هذا الترحيب قام تنظيم الحمدين مؤخراً بالعديد من الإجراءات لمنع القطريين من الحج. فعندما قامت حكومة خادم الحرمين الشريفين مؤخراً بإنشاء رابط إلكتروني يمكن الحجاج القطريين من التسجيل للحج بكل سهولة https://qh.haj.gov.sa، قامت الحكومة القطرية بحجبه! فما كان من الحكومة السعودية إلا أن أنشأت رابطاً بديلاً لذات الغرض: https://qh1.haj.gov.sa.

ويبقى السؤال: هل سيؤدي الحجاج القطريون فريضة الحج في جو من الترحيب استجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام، أم سيمتنعون استجابة لدعوة نظام الحمدين؟