يُعد الطلاق من الظواهر السلبية الخطيرة التي تفشت في مجتمعنا خلال الأعوام الأخيرة، خاصةً في المدن، مما يتطلب من مؤسسات المجتمع كافة التصدي لها بكل الوسائل ودراسة أسبابها.

ولكي يعيش الزوجان في سعادة وبعيداً عن كل ما يعكر الحياة الزوحية لابد من تقوية الجانب الإيماني واستشعار الخوف من الله تعالى ومراقبته، وكذلك حسن الخلق في التعامل بين الزوجين وصبر كل منهما على الآخر، إضافةً إلى رعاية الجوانب النفسية في كون كل واحد من الزوجين لباساً وسكناً ومودة ورحمة، وأنهما من نفس واحدة، والنظر من كليها للآخر نظرة تقدير واحترام ومساواة، إلى جانب تنمية ثقافة الحوار والتشاور لحل جميع المشاكل فيما بين الزوجين، ومن المهم الحرص على أن يؤدي كل من الزوجين حقوق الآخر المادية والمعنوية على أساس العدل والإحسان، وكذلك لا بد من تدخل مجلس الأسرة من خلال الحكمين لتحقيق الإصلاح فيما بين الزوجين قدر الإمكان.

غياب الحُب

وقال د.ماجد قنش -استشاري علم النفس والسلوك-: إن الطلاق يحدث بين الزوجين عندما يغيب عنهما الحُب والتفاهم والانسجام والاهتمام المتبادل والثقة والرغبة الحقيقية في البقاء معاً، فتدخل الحياة الزوجية بحالة موت يختفي فيها الشعور بالأمان الذي يمثل الركيزة الأساسية لنجاحها واستمرارها، ويسكن الصمت في كل زوايا الحديث الذي كان عامراً ذات يوم بينهما، وفي هذه المرحلة من الموت غير المعلن للحياة بينهما، تطول فترات الشوق ويقل التعبير عن الحب بين الطرفين، بل ينحسر تماماً وتنعدم الرغبة في المعاشرة الزوجية، فتنشأ الرغبة في البحث عن وسائط أخرى للتواصل مع الجنس الآخر سواء كانت حلالاً أو حراماً ثم تتسع الفجوة بانقسام فراش النوم والاجتماع على الطعام وكثرة الاختلاف بالآراء، فلا يكاد يهمس الزوج أو الزوجة بشيء إلاّ في أطر وقوالب رسمية باردة وجافة، إلى أن يثور البركان الذي ينتظر اللحظة التي ينفجر ليدمر الأخضر واليابس.

حسن الاختيار

وشدّد أحمد النجار -مستشار أسري وتربوي- على أهمية اختيار الزوجين لبعضهما البعض، مضيفاً أن الإسلام حثنا على حسن اختيار شريك الحياة، فقد قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «تُنْكحُ المرأةُ لأربعٍ: لمالِها، ولحسبِها، ولجمالِها، ولدينِها، فاظفر بذاتِ الدِّينِ تربت يداكَ»، وكلّ هذه الأمور لها أهمّية ولكن قد تحدث أمور بينهما ومشاكل يصعب حلها وتستحيل معها الحياة بينهما، لذلك أرشد الإسلام الزّوجين إلى ضرورة الصّبر والتحمّل فإن لم يقدرا فقد شرع لهما الطلاق وبالتالي إنهاء حالة الشّقاق والنّزاع بينهما حتى يستأنف كلّ منهما حياته الخاصّة، قال تعالى «وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكيماً»، مبيناً أن الإسلام حرص أشد الحرص من خلال تشريعاته الخاصة بالأسرة على الحفاظ عليها ومنعها من التفكك والانهيار، لذلك سمى الرابطة الزوجية ميثاقاً غليظاً، وحث على استمرار الحياة الزوجية حتى مع كراهة الزوج لزوجته، فقال تعالى: «وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا»، وعلى الرغم من كون الطلاق مباحاً ويعتبر حلاً عند وصول الطرفين إلى طريق مسدود، إلاّ أننا ومن الأفضل أن نعمل جاهدين على أن نطوّر وسائل تقي الأسرة من الطلاق قدر المستطاع.

حسن الخلق

وذكر النجار أن من هذه الوسائل تقوية الجانب الإيماني واستشعار الخوف من الله تعالى ومراقبته عند وقوع الظلم وإيذاء أحد الطرفين للآخر، لذلك صاحب الأمر بالتقوى معظم الآيات الخاصة بالأسرة، وحسن الخلق في التعامل بين الزوجين وصبر كل منهما على الآخر في مقابل ما له من أخلاق وصفات طيبة أخرى، كذلك رعاية الجوانب النفسية في كون كل واحد من الزوجين لباساً وسكناً ومودة ورحمة، وأنهما من نفس واحدة، والنظر من كليها للآخر نظرة تقدير واحترام ومساواة، ولابد أن نعي اختيار الشريك الصالح أو الزوجة الصالحة من حيث توافر الصفات المطلوبة شرعاً في الطرفين، والالتزام بالوسائل التي شرعها الإسلام لاستمرار الزوجية كرؤية الخاطبين أحدهما للآخر والمحادثة بينهما بضوابطها الشرعية، إضافةً إلى تنمية ثقافة الحوار والتشاور لحل جميع المشاكل فيما بين الزوجين، كما عبر عن ذلك قوله تعالى: «عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ»، ومن المهم الحرص على أن يؤدي كل من الزوجين حقوق الآخر المادية والمعنوية على أساس العدل والإحسان، والحرص من كل الزوجين على إرضاء الآخر، لذلك لم يعتبر كاذباً من حدث زوجه بما يرضيه ويحقق التصالح معه حتى لو فهم منه أنه مخالف للواقع، مشيراً إلى أنه من المهم استعمال جميع الوسائل المؤثرة في النفوس من الوعظ ونحوه، وأيضاً تدخل مجلس الأسرة من خلال الحكمين لتحقيق الإصلاح فيما بين الزوجين، إذ قال تعالى: «وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا».

تهديد المجتمع

وحذّر د.عبدالرحمن بن يحيى الصايغ -صاحب فكرة ومدير مشروع الزواج من أجل الحياة- من خطورة ظاهرة الطلاق المتنامي في الأعوام الأخيرة في جميع مناطق المملكة، وقال: إن لم توضع لها الحلول الفاعلة فسوف تبدأ بعد فترة بتهديد النسيج الاجتماعي، وقد تصل في مراحل متقدمة إلى التأثير على الاستقرار الاجتماعي، مُشدداً على أهمية مواجهة هذه الظاهرة وفي هذه الفترة تحديداً التي يجب أن تتسق مع الرؤية الوطنية 2030، وذلك لكونها من أهم محددات حركة المجتمع السعودي لعقدين قادمين على الأقل، حيث تشير الرؤية إلى مجتمع حيوي قيمه راسخة وبيئته عامرة وبنيانه متين، وقد ورد نصاً في وثيقة الرؤية: «الأسرة هي نواة المجتمع حيث أنها تمثل الحاضنة الأولى للأبناء والراعي الرئيس لاحتياجاتهم والحامي للمجتمع من التفكك، ولعل أبرز ما يميز مجتمعنا التزامه بالمبادئ والقيم الإسلامية وقوة روابطه الأسرية وامتدادها»، مبيناً أن لديه مقترحاً لمواجهة هذه الظاهرة عبارة عن مبادرة أو استراتيجية وطنية مقترحة أطلق عليها مسمى «ورحمة»، واقترح أن يكون عمل هذا المشروع في ثلاثة محاور هي الأسباب والعوامل، الآثار والانعكاسات، المعالجة والحلول، وعلى ثلاث مراحل.

قراءة اجتماعية

وأوضح د.الصايغ أنه تتمثل المرحلة الأولى في قراءة اجتماعية لظاهرة الطلاق ومدتها (8- 12) شهر، وتتضمن ثلاثة مسارات متزامنة وهي كالتالي، أولاً: استطلاع الرأي المجتمعي السعودي حول ظاهرة الطلاق وذلك لتعرف المنظور الاجتماعي العام حول ظاهرة الطلاق، حيث سيحتوى على الكثير من الأفكار المفيدة وتتلخص خطوات بنائه في عقد ورش عمل موسعة -رجالية ونسائية-، ونشر استطلاع إلكتروني منضبط الأبعاد والمتغيرات وبرعاية رسمية، ثم عقد ورش عمل مركزية مبنية على ما سبق، ثم تحويل الاستطلاع إلى مستخلص لجميع الرؤى محـكّـم لغوياً ونظامياً ومجتمعياً، وبهذا يكون تحقق في هذا الموضوع مفهوم المجتمع الحيوي، ويعتبر الجميع شارك في إعداده وملتزم بما ورد فيه، ويصبح مرجعاً للباحثين الاجتماعيين، وتتم الاستفادة من أفكاره في التوعية، مضيفاً أن المسار الثاني: دليل استرشادي عبارة عن مطوية لا تتجاوز خمسة أوجه تعرض في قالب نوعي محترف بحيث تقدم فكرة الطلاق على أنها انفصال وفراق غير محبب أبداً في الأسرة المسلمة إلاّ في حدود ضيقة جداً ويبين أحكام وضوابط وقوانين الطلاق وشروطه وموانعه ودواعيه وإجراءاته الصحيحة إن دعت الحاجة إليه، كما يقدم إضاءات حول التماسك الأسري، ويتم بناء الدليل عن طريق تشكيل لجنة لكتابته من مختصين في مجالات المجتمع والأسرة والجوانب الشرعية ويقدم للمجتمع في المرحلة الثانية من مشروع «ورحمة».

دراسات متنوعة

وذكر د.الصايغ أن المسار الثالث هو برنامج دراسات متنوعة في المنهج والأهداف ومجتمع وعينة الدراسة، مثل دراسات الحالة وتطبق على عينات من المطلقين من الجنسين، ودراسات على طلاب وطالبات الجامعة، ودراسات على طلاب وطالبات التعليم العام، ودراسات اجتماعية عامة حول الظاهرة ولكل نوع أهميته، مضيفاً أنه بعد اكتمال الدراسات وإصدار وثيقة الرؤية المجتمعية حول الطلاق وتصميم الدليل الاسترشادي ونشره يتم إطلاق المرحلة الثانية من مشروع «ورحمة»، وتكون عبارة عن مشروعات إنمائية مبنية على نتائج دراسات المرحلة الأولى، وعلى قياس الاستفادة من ظهور مستند الرأي المجتمعي والدليل الاسترشادي كأدوات تثقيف اجتماعية من نتاج مشروع «ورحمة» بالتعاون مع أوساط المجتمع، بحيث تسهم هذه المرحلة في تعزيز تماسك بناء الأسرة وإيقاف نزيف حالات الطلاق، وإعادة مفهوم الطلاق إلى دوره المحدد في الشريعة الإسلامية السمحة.

أضرار الطلاق ستكون كبيرة في حال كان هناك أبناء
د.ماجد قنش
د. عبدالرحمن الصايغ
أحمد النجار