فوق صفيح ساخن تموت الكثير من العلاقات الأسرية بسبب غيابها عن المشهد الحقيقي لمعنى صلة الرحم، التي أصبحت مجرد كلمة باردة لا تروي ظمأ اللقاءات الأسرية التي قلت وضعفت وتحولت إلى منصات مواقع التواصل الاجتماعي من خلال قروب الأسرة، الذي ينقل الرسائل الصباحية وعبارات التهاني برمضان والعيد وكروت حضور الأفراح والمناسبات السعيدة، وأصبحت الأسرة الواحدة تعرف أخبار بعضها البعض من هذا القروب، قطيعة الرحم أو قطيعة الأقارب لفظ شديد القسوة خالي المشاعر، ولكنه شعور يعيش بيننا وأصبح يتوسع في العلاقات الأسرية بشكل ينذر بالخطر.

حجج واهية

وقال محمد الزنيدي -اختصاصي اجتماعي-: إن صلة الأرحام تُعد من العبادات التي أوجبها الله تعالى على عباده، خاصةً وأن جميع الشعوب والأديان تعلم أن المجتمع الإسلامي أكثر ما يميزه الترابط بين صلة الأرحام، ولكن وللأسف الشديد في عصرنا الحاضر بدأت تتفشى ظاهرة قطع الأرحام، إذ تجد البعض يستمر لشهور أو حتى سنين لم يزر أقاربه، حتى أنه لم يفكر أو يحاول الإقدام على زيارتهم والاطمئنان عليهم، مضيفةً أنها أصبحت لدى البعض عادة طبيعية بحجة هموم الدنيا والانشغال بها، إذ لا تجد أحدا متفرغا للآخر، والتي هي تُعد بمثابة حجج واهية لا أصل لها، مبيناً أنه من الأسباب أنه لو أقدم البعض على زيارة الآخر بعد فترة من الزمن قد لا يجد الترحاب به، مما يكون سبباً في استمرار القطيعة وعدم المحاولة مجدداً لصلة الرحم، كذلك من الأسباب بُعد المسافة مما يكون سبباً في تقاعس البعض للزيارة واستثقالها، إضافةً إلى أنه من الأسباب التعالي والتكبر على الأقارب في حال أحدهم رزق بمال أو منصب أصبح التكبر سمة على أرحامه والهروب منهم وسيلة كي يتجنب حسب اعتقاده طلباتهم المرهقة.

دور التكنولوجيا

وأوضح الزنيدي أنه في وقتنا الحاضر مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتطور تقنيات الاتصالات أصبح البعض يستخدم «التكنولوجيا» ذريعة لقطع صلة الرحم، بحجة أنها بديل لزيارتهم إلاّ في المناسبات الضرورية، مضيفاً أن «التكنولوجيا» ساهمت إلى حد كبير في عصرنا الحاضر إلى إقبال الكثير من الناس على قطع أرحامهم، حتى أصبحت عندهم عادة وأمراً طبيعياً، إلى درجة أن الأبناء أهملوا حتى الآباء، لذا يجب أن يعي مثل هؤلاء أن وسائل التواصل لم تُستحدث لأجل أن تكون بديلاً لصلة الرحم، إنما وجدت لتنسيق المواعيد لأجل عمل اللقاءات، مبيناً أن الأسباب الرئيسة في ظاهرة تفشي صلة الأرحام تقع على عاتق الأهل، لذا يجب على كل أب أو أم تربية أبنائهم وتوجيههم على صلة الأرحام من خلال تكثيف الزيارات للأقارب حتى لو أجبروهم على صلتهم، فيجب عليهم تربية أطفالهم من الصغر على صلة الرحم، وأن يغرسوا في عقولهم أن التواصل المباشر لصلة الأرحام أفضل بكثير من استخدام التواصل الاجتماعي، مشيراً إلى أن كثرة استخدام «التكنولوجيا» لأجل صلة الأرحام تعد خطراً يهدد علاقاتنا مع ذوي الأرحام وروابطنا الإسلامية.

داعم قوي

وأكد الزنيدي على أنه يجب أن يعي كل أب أو أم أن الأسرة تعد عامود المجتمع، وأن الأحفاد هم مستقبلها، وهم المكملون لمسيرة صلة الأرحام، ففي حال تقاعسوا عن توجيه أبنائهم بالشكل الصحيح لصلة الرحم فإن آثارها السلبية تمتد حتى للمستقبل، ويكون تأثيرها على المجتمع سلبياً، وكذلك على الأسرة، فتفككها، مما ينتج عنه تفكك المجتمع وترابطه، مبيناً أن قطع الرحم على مستوى الأسر يُشعر الفرد أنه غير مرغوب فيه ومنبوذ، كذلك الحال ينعكس في مجتمعه من خلال شعوره لفقدانه قيمته، لافتاً إلى أنه من الآثار السلبية والتي تعد أبشعها ولا تمس لديننا أي صلة هي انعدام الرحمة، فلا يبالي لو حدث سوء لأهله أو أقاربه، كذلك الحال مع مجتمعه، ذاكراً أن من يقطع الرحم لا يجد نفسه منتمياً لأسرته، كذلك الحال ينعكس على مجتمعه الذي قد يرى نفسه غير منتمٍ إليه، موضحاً أن صلة الرحم بعد إرادة رب العالمين هي من أهم الأسباب لسعادة المجتمع وترابطه، فالتآلف الحاصل بين الأقارب من خلال التواصل فيما بينهم داعم قوي ومصدر رئيس لترابطه وسعادته.

ظاهرة مجتمعية

وتحدثت منال الصومالي -أخصائية الخدمة الاجتماعية بمستشفى الملك فهد- قائلة: إن قطيعة الرحم ظاهرة مجتمعية لا يمكن إنكار وجودها، حتى وإن لم تكن قطيعة بالشكل الكامل، والجميع يبررها بسبب مشاغل وارتباطات الحياة الأسرية والتعذر بعدم وجود الوقت الكافي للتواصل مع الخال والعم، والاستسلام لرتم الحياة، متأسفةً أنه يصل لعدم التواصل مع الأهل و الوالدين تحديداً، مبينةً أن التواصل انتقل إلى منصات التواصل الاجتماعي من خلال قروب الأسرة وقربات الأرحام، وأصبح الاكتفاء برسائل كيف الحال هي المحصلة النهائية للتواصل بين الأُسر، وأصبحت هذه المواقع تظهر المنزل في ظاهره التواصل وفي مضمونه لا تواصل.

تربية صعبة

وأوضحت منال الصومالي أنه أصبحت التربية في ظل هذه القطيعة صعبة، وذلك بسبب أن الأطفال أصبحوا يشعرون بالقطيعة ويعيشونها، والأب الموجه يمارسها أمامهم، وهذه مشكلة وأوجدت نوعاً من الجفوة، مضيفة أنه أصبحت المناسبة الحزينة أو المناسبات العائلية كالزواج والعيد هي متلقي ظهور الأسرة، وأصبح الأصدقاء والصديقات وزملاء العمل والسفر والدراسة الارتباط بهم أعمق من ارتباط ذوي القربى والأهل، مبينةً أن طبيعة حياتنا في المجتمع هي الأسرة الممتدة، ولكن في ظل تردي العلاقات الأسرية أصبحت هناك الأسرة النووية داخل أسرة نووية، وكنظرة اجتماعية تقيم حالة العلاقة الأسرية فيما بينها وبين باقي العلاقات، مطالبةً من المهتمين بالتربية بأهمية إعادة الوضع إلى حالته الاجتماعية، وذلك بتفعيل دور البرامج والمسلسلات التي تطرح المشكلة والحلول، مشيرةً إلى أن دور الوالدين في المنزل هو حث الأبناء على التواصل مع أقاربهم ومرافقة الأسرة عند الزيارة.

صلة الرحم تزيد من قوة الترابط بين أفراد الأسرة
محمد الزنيدي