عبر تاريخه تظل رسالة الإبداع إثارة الأسئلة أكثر منه توفير الإجابات، لكأنما مجموع ما أنتجته البشرية لم يكن غير محفزاتٍ للبحث، أو تحدياتٍ لتجاوز الممكن لغير الممكن، للعبور لما وراء القوالب والحدود. ولقد عرف الفن رموزاً شكلت صدمة لمحيطها أو للمدارس الفنية السائدة، وقادت إلى تشكيل مدارس غير مسبوقة؛ إذ لا حصر للبناء والنقض الخلاق. وعلى سبيل المثال لا الحصر، نستحضر تجربة الفنان بول جوجان Paul Gauguin 1848 - 1903، هذا الفرنسي الذي لبى نداء المجهول مغادراً أوروبا وحضارتها ومدارسها الفنية العريقة؛ ليقضي السنوات العشر الأخيرة من عمره في بدائية الجزر المعروفة بالبولينيز الفرنسية French Polynesia، هناك حيث انطلق منتجاً تجربته الفريدة المتجاوزة للتعبيرية، التي شكلت صدمة للوسط الفني والمتلقين حينها، حتى مات مغموراً ولينصفه التاريخ فيما بعد وينصِّبه رائداً للفن الوحشي. 

نتوقف بمثل تلك التجربة وتجربة فان جوج أو بيكاسو وغيرهما؛ لنعي أن مسيرة الفن محفوفة بالصراع والتجاهل والمعاناة، وأن التجارب الأصيلة قد نجحت في عبور كل ذلك، وليس فقط إثبات ذاتها، وإنما أيضاً دفع البشرية خطوات في الكشف عن جمال في مواطن لا يتوقع فيها من جمال.

وفي وقتنا الحاضر، تشتد المنافسة لكأنما البشرية تمر بمرحلة من الخصوبة الإبداعية أشبه بالتفجرات، ما صَعَّدَ متطلبات التفوق، وقاد الفنانين للإمعان في التجريب بل التغريب، أو خوض المجهول لإحداث صدمة ترسخ مكانتهم في التيار الجارف للإبداع. حتى ليخيل إليك أن المخيلة البشرية موشكة على أن تُستَنزَف، لكن الذي يحدث أنه كلما أمعنا في النزح أمعنا في الجود؛ إذ لا تزال تدهشنا وبأفكار أحياناً مذهلة في بساطتها وعمقها في الآن ذاته.

وفي هذا السياق، نتوقف بتجربة الثنائي الفني آرون تيلي Aaron Tilley وكايل بين Kyle Bean، تيلي الذي بدأ مراسلا لمجلة فوربس Forbes؛ حيث أنجز تغطيات صحافية للمخازن والسفن. ومن غرابة ذلك العالم لم يلبث أن وجد طريقه لفن التصوير، وكايل الفنان البريطاني والمصمم والمخرج المشغوف بتكرار مواد الحياة اليومية في أعماله التركيبية المفاهيمية، والبارع في تصميم رموز الموضات والمشروعات، حيث تفتقت أخيراً قريحة الاثنين عن مشروع تصوير قدَّما فيه لوحات تتلاعب بمشاعر الجمهور، صور توقف المتفرج على ما هو أشبه بالحافة النفسية، تتم فيها استثارة القلق بل الفزع، فزع من وقوع كارثة صغيرة لكن كبيرة في تحفيزها لحساسية المتلقي، مثل صورة حبات بيض تهوي في الفراغ في اتجاه بلاطة، أو لقطة لبالون يهوي على لوحة مسامير حادة، أو قطرات حبر في سبيلها للوقوع على قميص ناصع البياض، لا يتم الارتطام حيث يقبض المصوران على الكارثة قبل وقوعها، لكن ذلك الوقوع الوشيك يُحْدِثُ وقوعاً في المخيلة، يجعل المتلقي يعيش التهشم الوشيك.

لا حد لمعين تلك الصور المذهلة في مباغتتها، التي لا تنضب في مخيلة هذا الثنائي، هي تجربة فنية أشبه بدراسة عميقة لسلطان المخيلة على المشاعر وتحفيزها، بل زيادة ضربات القلب، وضخ الإدرينالين في الدم، بل رفع ضغط الدم. 

هو السهل الممتنع في التجريب الإبداعي يستحق التعمق.