باتت المخاطر الثقافية التي تواجهها دولنا ومجتمعاتنا العربية والمسلمة تحدّياً راهناً يستلزم التعاطي معه بضمير ومسؤولية؛ فلا يمكن إغفال أنّ العولمة بامتداداتها المريعة التي طالت الكون بأكمله، تحاول قولبة مجتمعاتنا وأفرادها وتنميط سلوكياتهم وقيمهم وأذهانهم ضمن مشروع إعلامي ثقافي يهدف في الأساس لخدمة هيمنة القوى السياسية الكبرى التي تحاول أن تتحكّم في غيرها من الشعوب وفي مصائرهم. وهي مخاطر تنبّه لها المفكّرون والمصلحون وعلماء النفس والاجتماع الذي رأوا أنّ الانفتاح الثقافي الكوني هو سمة العصر ولا فائدة من الانغلاق وإدارة الظهر له إذا كُنّا نسعى لإثراء الحياة الاجتماعية والفكرية لدى شعوبنا.

هذا الاستشعار لتلك المخاطر المحدقة هو ما يفسّر حالة الاستبشار والأُنس والانشراح وانفساح مساحات الأمل التي رافقت الأمر الملكي الكريم القاضي بانفصال الثقافة عن الإعلام وتعيين الوزير الشاب والطموح لها؛ الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، وهو جذل وانبساط له ما يبرّره سيما حين تتخلّص الوزارة الفتيّة من عبء الاندماج مع وزارة لا تقل عنها أهمية، فاستمرار الاندماج يعني مواصلة بعثرة الجهود والقوى وفقدان معالم طريقها لنهضة ثقافية مرتقبة يُنتظَر منها تجويد عطاءاتها ورفع سويّة الثقافة في المجتمع وتطوير ذوقه ووجدانه.

ولقد أفاض المثقفون والمهجوسون بالمعرفة وشغف الاطلاع في مطالباتهم ولا زالت الأحلام والتوقعات تترى وتحلّق في سماء الانتظار مع الوزير الشاب الذي عزّز هذا الأمل برحابة صدره ومبادرته الواعية بالتواصل مع المثقفين لمعرفة احتياجاتهم وآرائهم ومقترحاتهم للنهوض بالثقافة في بلادنا التي تنطلق بجموح واثق لا يعرف الكلل.

إلا أنني -ومع اتفاقي مع جميع ما تم اقتراحه- لم ألحظ الاشارة للكِتاب بشكل خالص ومحض؛ فَجُلّ المطالبات كانت للمثقفين والأدباء وما يدور في فلك احتياجاتهم المشروعة والمستحقة. ولذا رأيت استحثاث سمو الأمير المتواصل للمثقفين للإدلاء بمقترحاتهم وهواجسهم الثقافية؛ رأيتها فرصة مواتية للتأكيد على الكتاب كأداة التنوير الأولى في المنظومة الثقافية، والذي لا يختلف أحد على أنه مساهم فاعل ورئيس في تنشيط النسق المعرفي والثقافي والفكري الذي يجعل المجتمع قويّاً وحيويّاً ومُسيّجاً بوعيه وغير مرتهن للجمود والتخشُّب عبر اجترار معارف ومنظومات فكرية وسلوكية تجاوزتها الفتوح المعرفية؛ فالوقت الذي نعيشه يحتاج قارئاً حقيقياً ينهض بأعباء مسؤولياته واستحقاقات المرحلة التي تعيشها بلادنا الفتية، مرحلة حيوية لن تتوقّف عند مسلوبي الإرادة ومعدومي الفاعلية الذين لم يفلحوا في تحرير عقولهم عبر القراءة والوعي وإدراك متطلبات المرحلة.

فالكتاب -يا سمو الأمير- هو عماد المجتمعات ومُشيّد الحضارات وخط الدفاع الأول أمام ضغوط هذا العصر الذي تعولم معه كل شيء وبات الإنسان نهباً للتطرّف والفكر الإقصائي والعنف الدموي الذي تنسفح معه دماء الكرامة والحياة الإنسانية الكريمة.

فالعقل هو سلاح المواجهة الأمضى والأنجع الذي يشكّل الإدراك المعرفي الخلاّق الذي أساسه ومُرتكزه القراءة التي منوط بها تحرير المجتمع من عطالته، وتشريع نوافذ التأمّل التي تدفع به إلى التواصل والحوار مع الآخر واستيعاب الاكتشافات الجديدة.

الكِتاب هو المُنطلق وإشارة البدء -يا سمو الأمير- ولا يخالجنا شك في أن سموكم سيوجد له مكانته اللائقة به ككنز معرفي وحضاري يُعوّل عليه في المرحلة المقبلة من اتخاذ كل السبل التي تكفل انتشاره بشكل أكبر، ولو عن طريق تبنّي مشروع قومي ضخم يواكب المرحلة وطموح ولاة الأمر، سواء من حيث تسهيل الطبع والانتشار والمعارض المتنقلة بين المدن والقرى والهِجَر لكسر الاحتكار القرائي المقصور على سكّان المدن والمؤثرين وجعل الكتاب زاداً ثقافياً للجميع، وكذلك استثمار معارض الكتاب في مدننا الكبرى، وسيكون رائعاً لو تمدّدت مساحات نشره وإقامته في كل المدن وكل المواسم.

الكتاب يا سمو الأمير -وأنتم أعرف وأعلم- لم يعد ترفاً ولا تزجية للوقت بل صوغ فكر ومجتمع وتدشين حضارة. وختاماً كل الأمنيات لسموكم في المرحلة الذهبية التي يعيشها وطننا الحبيب في أن نقدّم جميعاً الصورة الحقيقية لإنسان هذه الأرض الطيبة وتراثها وتاريخها.