لا حد للمشاعر التي تحركها المناسبات الرياضية على مستوى الكرة الأرضية، وبالأخص مباريات كأس العالم لكرة القدم، تتأمل في الجماهير الغفيرة التي تخرج للشوارع للاحتفال بالنصر، أو في الجماهير التي تتكبد مصاريف السفر لحضور المباريات، يتدفق الآلاف من الدول المحدودة الدخل مثل دول أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، أفراد يكرسون شهراً كاملاً يقضونه في روسيا للمتابعة الحية للمباريات، نفقات لا تعلم كيف يتدبرونها لملاحقة هذا العشق العجيب، والذي يضخ نار الوطنية في الدماء ويفضح حقيقة الانتماء، انتماء لا يفضحه شيء كما تفضحه تلك الكرة تتقاذفها أقدام اللاعبين وتهز الشباك لتهز القلوب.

المؤثّر مشهد الفريق الفرنسي مثلاً قبل مباراة الدور النهائي ضد كرواتيا، حين افتتحت المباراة بوقفة الجماهير واللاعبين للإنصات للنشيد الوطني الفرنسي «لامارسييز La Marseillaise» من تأليف وتلحين كلود دي ليسلي منذ عهد الثورة الفرنسية، ترقب اللاعبين من كل الألوان، إيمبابي إيمتيتي وبوجبا وماتويدي وفقير وتوليسو وغيرهم بأعين مغمضة مستغرقة في استحضار وطنيتها وبألسنة تلهج ومشاعر عميقة تُضخ بكلمات النشيد:

«انهضوا يا أبناء الوطن,

فقد دقت ساعة المجد!

بعد أن رُفعت في وجهنا

رايات الاستبداد المدماة

هل تسمعون في جميع أصقاعنا

عواء هؤلاء الجنود الهمجيين؟

الذين يأتون حتى أسرّتنا

لذبح أبنائنا ونسائنا!

إلى السلاح، أيها المواطنون!

شكّلوا صفوفكم!

فلنزحف! فلنزحف!

وليتشبّع تراب أرضنا من دمائهم القذرة!

ماذا يريد هذا الحشد من العبيد،

من الخونة، ومن المتآمرين؟.....إلخ»

تتوقف بهذه الوجوه الأبنوسية، وجوه نجوم فريق كرة القدم الفرنسي التي تحولت لرموز بطولية يتمثلها الصغار والكبار بلا استثناء من كل لون وعرق بصرف النظر عن بياض أو سواد، تتوقف بتلك العزائم التي تفانت في عمل مثل لعبة كرة القدم واخترقت باستبسالها حواجز الأجناس، واستحقت هذا الانتماء للنشيد، استحقت وطنيتها بجدارة، أن تحاور جريدة عريقة ابن التاسعة عشرة ايمتيتي ليصرح «سأفعل المستحيل من أجل فرنسا»، إنها قلوب فرنسية بما لا يدع مجالاً للشك باحتلالها للكثير من القلوب والأحلام وإلهامها للكثيرين. تُشعرك مصداقية انتماء تلك الرموز بهشاشة دعاوي العنصريين المتعصبين لنقاء ما يُسمى بالدم الأزرق، لا تملك إلا مواجهة حقيقة أن العصر الحديث بل والمستقبل هو مستقبل الخلط، خلط الأزرق بالأصفر والأسود والبني والأحمر، مستقبل اجتماع الأعراق، هو مستقبل الجنسية الكونية، مستقبل الإنسان بصرف النظر عن أصوله ولونه وألسنته..