تحرص المملكة على وحدة وتجمعات الدول العربية والإسلامية والمؤتمرات المنبثقة عن ذلك، وتتولى بكرمها ما يعتذر عنه الغير من ترتيب، ومساعدات ودعم، وعندما تعاني دولة إسلامية من خلافات داخلية، تجمع المملكة طوائفهم محبة على أرضها

ما أشرفها من منزلة رفيعة تبوأتها المملكة بسدانة البيت العتيق، والمسجد النبوي، وما أرقاها من خدمات جليلة تقدمها لحجاج بيت الله الآتين على كل ضامر من أطراف الأرض بتنوعهم البشري، لا فرق ولا خصوصية للون أو لسان أو ثراء.

وما أعظمها من مسؤولية إسلامية تولتها الدولة السعودية حتى قبل اكتمال تكوينها العام 1932م، وما أدق وأبدع وأشمل ما كانت تبدع فيه وتطوره موسماً بعد موسم، لتبلغ في موسمها الأخير قمة الإعجاز في التخطيط والحيطة والبناء والتسهيل والصرف والتفويج والتواصل التقني الفاعل والتدبير المكاني الزماني الأمني ليس فقط ضمن حدود الأرض المقدسة، ولكن بامتداد شمولية تبلغ جميع نقاط الانطلاق البعيدة والقريبة للحجيج في بلدانهم الأصلية.

المملكة أثبتت للتاريخ أنها أقوى وأقوم وأجدر من تولى تلك الخدمة، كتكليف إلهي، وتشريف بخدمة الأماكن المقدسة، بأيادٍ أمينة، وأفئدة كريمة، ونفوس تجعل الحج والعمرة والزيارة متعة للحاج والمتمتع والزائر بما يرونه ويسمعونه ويعيشونه حقيقة ضمن ملكوت محبة وجمال وكمال لا فسوق ولا رفث ولا جدل فيه.

ورغم كل تلك الجهود المبذولة فالمملكة لم تدع الكمال، ولم تلقب نفسها بالخلافة، ولم تمن على ضيوفها، بل دأبت على تذليل جميع العقبات والموانع التي يواجهونها، دون خلط بين أمور السياسة المتبدلة وصفاء ما تقوم به من حسن رفادة وضيافة لزوار الرحمان.

الحاج الإيراني يعامل بمثل ما يعامل به الحاج السعودي والمصري والكويتي والعراقي والعماني والتونسي والتنزاني.

والحاج البحريني والباكستاني والتركماني يعامل مثل من يأتي من استراليا وأفغانستان والهند وإندونيسيا وموريتانيا، والحاج الأميركي والسويسري والكندي والفرنسي والإسباني والإماراتي يعطون مميزات الحاج نفسها الآتي من مناطق الحروب والمجاعات والهجرة.

والحاج من الأسكيمو والنيجر وأثيوبيا وتركيا، أو من مختلف جزر المحيطات يعامل كما يعامل الحاج الروسي، والياباني والبرازيلي والصيني والمغربي والسوداني، وغيرهم، فكلهم ضيوف أعزاء يستحقون كرم ما سخره الله لهم في مملكة تحتضن دروبهم، وتقوي عزيمتهم، وترعى تبتلهم بأعين محبة كريمة مخلصة حريصة.

هبات ملكية تبذل في أحلك الظروف، فرأينا مكرمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان المذهلة لحجاج قطر في الموسم الماضي، بعد أن واجهوا وعثاء السفر.

ترقية لحجاج تناغمت دولهم معها في تيسير شؤون حجيجهم، فنقلت محطات الاستقبال الإليكتروني والأمني إلى مطاراتهم، كما في كولالمبور، فينهي الحاج الماليزي إجراءاته في بلده، ويتفرغ للعبادة عند وصوله.

وتحرص المملكة على وحدة وتجمعات الدول العربية والإسلامية والمؤتمرات المنبثقة عن ذلك، وتتولى بكرمها ما يعتذر عنه الغير من ترتيب، ومساعدات ودعم، وعندما تعاني دولة إسلامية من خلافات داخلية، تجمع المملكة طوائفهم محبة على أرضها، كما رأينا في مؤتمر علماء أفغانستان للمصالحة في مكة المكرمة استباقاً لموسم الحج المقبل.

ورغم تكامل وتناغم تلك الجهود المبذولة، وتساقط رطب نخلة المملكة جنياً، إلا أننا نرى من يقذفها بالحجارة، ويتهمها بعدم المقدرة، سعياً منه لإظهار القذى في عين نرجس الحسن.

ولكن شواهد نجاح وتميز المملكة عديدة عظيمة تختصر معاني الخير وتهدي السلام والراحة والمحبة لكافة المسلمين، حتى غدت سدانتها للبيت معجزة لأيٍّ كان، ومنقبة تستحق عليها نيل براءة الحرص والدقة والعدالة والشمولية في التنفيذ على مدى كل المواسم.

السعودية العظمى وبكل بساطة، ورغم كل التحديات لا تخلط بين الهبة الربانية، وبين أي ظروف بشرية اجتماعية سياسية عقائدية يمكن أن تثنيها عن خدمة من يستطيع إليه سبيلاً.

مملكة معجزة بحكومتها وسياستها وشعبها ومصداقيتها تمكنت من الفصل بين أمور الحج والعمرة والزيارة، وبين جميع ما يحدث في أطرافها المترامية، وعلاقاتها الدبلوماسية، فينهي الحجيج مناسكهم هانئين لا يشعرون مطلقاً أن هذا البلد العظيم يدير حرباً على حده الجنوبي، وأنه حاضر فاعل في كينونة معظم التجمعات الحضارية العالمية، وأنه يؤثر في سياسة واقتصاد العالم، ويعمل على تنفيذ رؤية عظيمة، ويتحرك على مسارات السعادة الإنسانية والترفيه والسياحة والمشروعات العملاقة، وأنه يبني ويطور إنسانه ومكانته اجتماعياً وتعليمياً وصحياً وتقنياً وخدماتياً، وأنه يمسك بيديه خيوط دبلوماسية السلام والاستقرار العالمي مشاركة مع الأشقاء والأصدقاء والشركاء العالميين، ويستمر كخير من يؤذن بالحج.