من خلف الصفوف، شقت طريقها لتعانق فنانها المفضل على مسرح سوق عكاظ.. مشهد يراه البعض مألوفا في كل الحفلات الفنية في جميع دول العالم، وتعرض للموقف ذاته قبل عشرات السنوات وكذا غالبية الفنانين.. وغالباً ما تنتهي مثل هذه المراهقات بالإبعاد عن الحفل؛ إذ إن أقسى عقاب توجهه إلى أحد المعجبين هو أن تبعده عن فنانه المفضل.

وقد بالغنا في رد فعلنا؛ ربما لأن المشهد كان صادماً وخارج التوقع؛ حيث كنا نحلم بفنان يغني، وإذا بنا بمعجبة تعانقه على المسرح رغم ملامح عباءتها المحتشمة الواسعة التي كادت تتعثر بها.

على الجهة الأخرى، هون البعض من التجاوز واعتبروه مجرد نزوة مراهقة يمكن أن تمر بسلام وتعالج بأخذ التعهد عليها وإطلاق سراحها، أو إذا تطرفنا أن تمنع مدى الحياة من دخول مسرح سوق عكاظ.

طبعاً لا أحد يطرح العودة إلى الوراء، الترفيه باق وسيستمر، وجميع المناسبات السابقة أخذت نصيبها من النجاح، لكن المطلوب أن نتعلم، وأن نستفيد من الدروس لنقوم عملنا ونحسن أداء الجهات التنفيذية، إذ لا يمكن أن تنطلق فتاة بعباءة واسعة من آخر الصفوف لتعانق المنصة دون أن يرصدها المنظمون، كما لا يمكن أن يترك الفنان دون حواجز بينه وبين معجبيه.. دروس طبيعية مع كل مناسبة جديدة؛ لأن هذه هي طبيعة كل جديد ولم تحدث قبل ذلك اليوم، ولأن الجمهور المتعطش أفاق للتو من غيابه عن كثير من البدهيات في باقي البلدان، لكن الدرس الرائع الذي يجب أن نقف أمامه بتقدير هو استحضار الجمهور خلال تلك الحادثة لنظام مكافحة التحرش؛ حيث عج «تويتر» لحظتها بمواد النظام، وراح المغردون يناقشون أي العقوبات ستقع على الفتاة بموجبه.

هذا هو الحدث الجميل في تلك الليلة، وهذا هو جوهر النظام الذي يبرر الحرص على إقراره في أسرع وقت، وأن يعرف الجميع ما لهم وما عليهم.. ويعرف كل مخالف ماذا ينتظره، وألا يكون هناك مجال للمراهقات وكذا للتخرصات.

هذا النظام الذي قدمته واعتمدته الحكومة بشجاعة لكل المبالغين في نظرية «سد الذرائع»؛ لأن الدولة اليوم بقوة أنظمتها تقف في مواجهة كل من يفسد على الناس نظامهم وأمانهم وترفيههم.

وكذا نقول إنه عندما يكون هذا النظام حاضراً في أذهان الجماهير؛ فإن الأثر يتجاوز مواده ونصوص عقوباته إلى هدف أسمى، وهو تحقيق الاستقرار الاجتماعي، والنأي عن الاجتهادات إلى أمان الوضوح والشفافية.