بما أن "الأغنية الشعبية" ابنة بيئتها، فإن النجم الشعبي هو وليد الصدفة.

إن كل موهبة هي مفاجئة لنفسها ولمن اكتشفها.

إذ أسهمت في صناعته عندما دخلت وسائل الصناعة والإنتاج بمستواها غير المادي - العناصر الثقافية لصناعة الأغنية - إلى المستوى المادي ذاته من استوديوهات التسجيل ومصانع أسطوانات ومحال البيع.

وعلى أنه نحا كثير من هؤلاء الموهوبين سعياً وراء تسجيل أعمالهم في أسطوانات، بعدما راجت عملية التسجيل من خلال فنانين كبار في البحرين والكويت، وما تأتي به الأسواق من أسطوانات عربية من لبنان ومصر، غير أن متطلبات العملية الإنتاجية حتمت على كثيرين منهم التفكير في تأسيس فرقة تلازمهم في التسجيل والحفلات.

وهذا ما خلق طبقة مهنية يتخصص أفرادها في التعليم الموسيقي والتدريب على العزف، إضافة إلى التمكن من ضرب الإيقاع، ومعالجة الأمور الفنية من هندسة الصوت إلى توثيق معلومات الأسطوانات.

عاشت مهنة الغناء حالة الازدواج الدائمة بين ضغط العملية الإنتاجية والتسويقية، وبين الضبط والاحتراز الاجتماعي، فإنه رغم انتشار شركات إنتاج الأسطوانات منذ منتصف الخمسينيات تنتج وتطبع الأسطوانات في البحرين واليونان وتسوقها خفية بعد تهريبها، لكن حسم ظهورها بشكل نظامي عام 1963، حينها نشأت لتلك الشركات محال بيع وتداول الأسطوانات، فظهرت في جدة توزيعات الشرق ورياض فون، وفي الأحساء هجر فون وخليفة فون، وفي الرياض الأسود فون ونجدي فون والتلفون.

ويعرف أن فهد بن سعيد لازم الشاعر سليمان بن حاذور المتخصص في فن السامري، فهو من كان وراء تسجيله عام 1959 أول أسطوانة لعمل من فن السامري، عزف على آلات وترية وإيقاعية، وهي أغنية "زمة نهد والعيود السود"، غير أنها سينتظر لفترة -بعد إخفاقات- حتى يشتهر بعد أن يتمكن من رسم شخصية فنية له بعد تنقلات كثيرة بين بريدة والخرج والرياض في أغنية "فكرت والمكتوب" 1964.

وتسجل لنا رواية مهمة من المغني الأحسائي عيد بو سيف عن كيفية انطلاق بشير حمد شنان، الذي سيعرف لعقد من الزمن "1967-1974" عبر أغنيات خلقت أسطورته الشعبية.

فيذكر أنه "ذهب إلى الرياض بطلب من إبراهيم العجيان صاحب أسطوانات "التليفون"، الذي حضر إلى الأحساء شخصياً ليطلب منه تسجيل أسطوانات لديه، فذهب بوسيف برفقة المروّس محمد المرشود لتسجيل أغنية "دخلت سوق الذهب قصدي أشتري دبلة" -شعر محمد الجنوبي-، وفي الرياض التقى ببشير الذي ألح عليه أن يسمح له بغناء الأغنية؛ حيث كان يرافقه بالعزف على العود حينها، فوافق وسجلها" لتكون فاتحة لبداية بشير الغنائية.