تحدد أدبيات التعليم العالي ثلاث وظائف مختلفة للجامعة، وهي: التدريس، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع؛ ومع تشابه الجامعات كثيراً في وضيفتي التدريس والبحث العلمي، إلا أنه وبلا شك، هناك تمايز بينها في المستوى الذي تحققه، ومع أن الجامعة من خلال قيامها بهاتين الوظيفتين تخدم المجتمع الذي توجد فيه، إلا أن المقصود بخدمة المجتمع هنا أكبر وأشمل من ذلك. فالجامعة من خلال قيامها بالتدريس والبحث العلمي تخدم فئة صغيرة من المجتمع، مما يجعلنا نجد بعض منظري مؤسسات التعليم العالي يرى أن الجامعة وهي تقوم بهاتين الوظيفتين لا تزال في برجها العاجي بعيداً عن روح المجتمع. وهنا تكمن أهمية الوظيفة الثالثة للجامعة وهي: خدمة المجتمع بمعناها الأشمل، ومع تنوع هذه الخدمات وكثرتها إلا أن أهمها ما يتعلق بالجانب الفكري والأمني للمجتمع، وهنا تبرز جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بدورها الكبير والبناء في هذا المجال. لقد توافر لهذه الجامعة العديد من الأسباب كانت وراء هذا العطاء الوطني المميز وعلى رأسها الدعم الكبير من قبل خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين حفظهما الله. ثم تأتي شخصية معالي مديرها الشيخ سليمان أبا الخيل المسكون بحب الوطن وولاة الأمر. لقد تعرفت على جهود معاليه عندما كنت طالباً بمرحلة البكالوريوس في فرع جامعة الإمام بمنطقة القصيم حين كان معاليه مشرفاً على الفرع، وكان حريصاً وفي كل مناسبة على بث روح الانتماء في الطلاب وتحصينهم فكرياً ضد التيارات المتطرفة. لقد كان لمعاليه، بعد الله، دور كبير في توجيهنا الفكري خلال تلك المرحلة، ولقد استمر معاليه في لعب نفس هذا الدور حتى اليوم مما يدل على صدق الاعتقاد لديه بما يطرح. فتارة تجده يلقى المحاضرات المحذرة من الفتن والجماعات الضالة ويحاججهم الدليل بالدليل سواء في المساجد أو المؤسسات التعليمية، وتارة نجد معاليه يقدم برامج توعية يلتقي فيها مع الشباب وطلاب العلم والخطباء والدعاة يناقش معهم كل ما يشكل عليهم حول قضايا الانتماء والأمن الفكري، وتارة نجده يفتتح الأندية الصيفية التي يرأس لجنتها الإشرافية ويلتحق بها الكثير من الطلاب ويستفيدون من خدماتها الترفيهية والتوعية، وحيناً آخر نجده يطرح العديد من البرامج والمسابقات ذات الصلة ومن بينها برنامج «أنت ياوطني أنا»، ومشروع «مساهمتي لوطني»، ومسابقة شموخ الوطنية.. إلخ؛ وأخيراً نجد معاليه يتجه للتأليف في هذا المضمار، ومع صعوبة الإتيان على كل مؤلفاته إلا أنه وقع في يدي مؤخراً كتابه الجديد: «الفتن والتطرف والغلو والإرهاب: حقيقتها وخطرها وسبل التحذير والوقاية والنجاة منها الصادر في هذا العام 2018م، والذي أراه أشبه مايكون بنقطة حراسة مشددة على أحد منافذ حدودنا الفكرية.والحقيقة أن دور معاليه التوعوي بخطورة التطرف والفكر الضال لم يقتصر على جامعة الإمام وطلابها بل تعداها الى المجتمع السعودي، بل والمجتمع الإسلامي سواء من خلال جهده الشخصي أو من خلال ترؤسه على سبيل المثال للمجلس التنفيذي لاتحاد جامعات العالم الإسلامي. ومن هنا فإني أقترح على القائمين على جائزة الملك فيصل العالمية لا سيما بفرع خدمة الإسلام تذكر مثل هذه الجهود الكبيرة؛ وأخيراً أتمنى من جامعاتنا الآخرى أن تستفيد من نموذج جامعة الإمام الناجح في تعزيز الانتماء الوطني وتعزيز الأمن الفكري لدى أبناء هذا الوطن.