في مساء هذا اليوم، وبعد 32 يوماً من المتعة والإثارة والدهشة والصدمة والذهول، يُسدل الستار على بطولة كأس العالم في نسختها 21، هذا الكرنفال الكوني الفريد الذي يسحر المليارات من البشر.

كثيرة وكبيرة، هي الدروس والعبر التي يُمكن استخلاصها من هذه المنافسة الأممية التي تتكرر كل أربع سنوات؛ لكنني سألتقط عدداً منها:

الدرس الأول: وهو أن كرة القدم لم تعد مجرد مستطيل أخضر لاستعراض مهارات وفنون وحيل اللاعبين من أجل كسب المباريات والظفر بكأس البطولة، ولكنها تحولت إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، إذ تتنافس المنتخبات/الأمم لإبراز أجمل وأهم وأقوى ما تملك من علم وثقافة وفن وصناعة وتقدم وتطور. «أهداف» كرة القدم أصبحت الآن مختلفة كثيراً عن تلك التي تُسجل في «الشباك».

الدرس الثاني: وهو أن «الغلبة» تكون عادة لمن يؤمن بالجماعية، وليس لثقافة الأنانية والنجم الأوحد. فلم يستطع ميسي أو رونالدو أو محمد صلاح، أن يأخذوا فرقهم إلى نهاية الحلم، في حين تمكنت الروح الجماعية والعمل كفريق واحد أن تأخذ منتخبات فرنسا وبلجيكا وكرواتيا وإنجلترا إلى صدارة المونديال.

الدرس الثالث: وهو تماهي/انصهار اللون والعرق والأصل والثقافة والانتماء في المنتخب الواحد. لقد حوّلت المنتخبات الذكية في المونديال تنوع وتعدد لاعبيها إلى مصدر قوة وتميز.

الدرس الرابع: وهو أن «الكم» لا يتفوق على «الكيف». فعدد السكان أو الثراء أو التاريخ، ليس بالضرورة سبباً للتفوق والنجاح، ولكن ثمة ما هو أهم من كل ذلك، كالطموح والإخلاص وعشق الوطن والوعي والفكر والتدريب. آيسلندا «200 ألف نسمة»، أورغواي «3٫5 مليون نسمة»، كرواتيا «4 ملايين نسمة»، بلجيكا «11 مليون نسمة»، قدمت ما يُشبه الإعجاز في هذا المونديال.

الدرس الخامس: وهو أن الدول/الأوطان بكل مكوناتها وتعبيراتها هتفت بنشيدها الذي يُعبّر عن طموحاتها وأحلامها وتطلعاتها، وتوحدت تحت علمها الذي يُرفرف عالياً فوق كل جراحها وخلافاتها وانقساماتها.

الدرس السادس: وهو الحلم الذي يتحقق في آخر رمق. كثيرة هي الأهداف التي سُجلت في الدقائق الأخيرة، بل وفي الوقت بدل الضائع الذي يُقرره الحكام. درس عميق، لابد من زرعه في وعي الأجيال الشابة، فالأحلام/الانتصارات تحتاج للمزيد من الصبر والجهد والتركيز، لأنها قد لا تتحقق في كثير من الأحيان، إلا في الرمق الأخير.

الدرس السابع: وهو الاستعانة بـ»الفار»؛ لقد استطاعت تقنية الـ»VAR» وهي اختصار Video Assistant Referees والتي استخدمت في هذا المونديال لمساعدة الحكام في اتخاد قرارات سليمة، أن تُسهم في الوفاء بقيم كرة القدم الأصيلة، وهي الأمانة والعدالة والنزاهة؛ وليت لهذه التقنية المذهلة أن تتسرب لكل تفاصيلنا، العامة والخاصة، الكبيرة والصغيرة؛ فكم نحن بحاجة للمراجعة والتدقيق والتأكد للكثير من ثقافاتنا وسلوكياتنا وقراراتنا.