" أريد للناس أن يستشعروا الألوان بكامل أجسامهم "

بهذا تقدم الفنانة المعمارية الفرنسية إيمانويل  مورو emmanuelle moureaux لأعمالها المذهلة، تقول:

"عادةً ما يكون الناس في حياتهم اليومية غير واعين بالألوان، لذا أردت ابتكار عمل فني تركيبي حيث يمكن للناس رؤية 100 درجة من الألوان في لمحة واحدة، فإننا وأبداً لا تسنح لنا الفرصة لرؤية مئة لون في نفس الوقت ونفس النظرة، وهذا هو الحلم الذي تحققه تركيباتي، هذا المستحيل من حزمة الألوان التي تتجسد في الفضاء ولا تدع من مجالاً للمتلقي لتجاهلها."

وكما يتكرر في معظم حواراتها ومقابلاتها الصحافية فإن الفنانة إيمانويل ترجع مصدر إلهامها لليابان ولمدينة طوكيو على وجه الخصوص، المدينة التي أقبلت عليها في مقتبل عمرها وصدمتها بألوانها، فرط بهجة صارخة في تناقض كامل مع موروث الرمادي بل والأسود والأبيض الذي وُلِدَت وتربت فيه إيمانويل، تلك الأجواء الأوروبية التي خلتها الفنانة وراءها، وتستفيض في شرح عمق تلك الصدمة تقول، "لقد هبطت طوكيو زائرة عابرة حين كنت في الخامسة والعشرين من العمر حديثة التخرج و يمكن القول لم أبدأ رحلة حياتي العملية بعد، لكن ما أن مرت علي الساعة الأولى في مهرجان الألوان ذاك حتى قررت كل شيء ورائي والإقامة في طوكيو، منذ ذلك اليوم صارت الألوان سكني ووسواسي، تسللت لتركيبتي النفسية مثل نسغ في عروق شجرة وأعادت ولادتي، أنا لست البنت التي ولدت عام 1971 في فرنسا، أنا الآن ومنذ هبوطي لطوكيو عام 1996 صرت شخصاً آخر مضافاً لتلك التركيبة الفرنسية الأوروبية. ولقد صاغت تركيبتي رؤيتي للحياة عامة وللفن، ومنها انبثقت كل أعمالي تحمل رسالة لا تتغير هي اللون، لكنها رسالة تفوقني إعجازاً فهي في حالة لا تفتر ولا تكل من التجدد والتحور. صارت هذه الألوان اللا نهائية في احتمالاتها هي مادتي المفضلة لإعادة تخليق الفضاء."

ولقد نجحت الألوان في صياغة الحساسية المفرطة للفنانة إيمانويل مورو وانعكست في أعمالها مثل العمل الذي يحمل عنوان: "غابة من الأرقام" الذي تجسدت فيه الألوان في أرقام أشبه برُقى غامضة تحمل جوهر البهجة لتهب به كعاصفة في المتحف، أو عملها المسمى"وصفة الألف لون  1000 COLORS RECIPE" والذي أبدعته كتحية تقدير لمدينة آيماباري بجزيرة شيكوكو باليابان والمشهورة باختراعها للتقنيات الفريدة لصناعة الأصبغة وتنويعاتها المذهلة.

وفي هذا العمل "وصفة الألف لون" قامت الفنانة بإنشاء منظومة من الرموز، حوالي 17000 رمز حبكتها من أنسجة مشبعة بدرجات ألوان ثلاثة هي السماوي والأرجواني والأصفر، وكالسحر قامت باستخلاص عدد ألف تدريج من تلك القاعدة الثلاثية لتخلص لعالم يجمعه وسط من البياض لم تشهد العين له من مثيل، تكوين من رموز طابعها البهجة السحرية تم تعليقها لتشكل مثل سراب خلال يعترض طريق المتلقي متسللاً من واقعه ليتداخل حتى مع أحلامه هابطاً من سماء المتحف.

لا حد لألوان إيمانويل مورو والتي تتسلم الزمام وتجتاح الفنانة ذاتها قبل أن تجتاح العالم.

أمام أعمال هذه الفنانة لا نملك إلا أن نقف عاجزين أمام النفحة التي يبثها الخالق في المخيلة البشرية.