المصالح السياسية في عالم اليوم لم تعد تمثّل حالة انفراد لدولة ما على حساب حلفائها، ولم تعد أيضاً تهرباً من استحقاقات الشراكة والتعاون في سبيل مكاسب النفوذ والسيطرة لفرض الأمر الواقع، ولكنها حتماً تلك المصالح في حالة صراع للمنافسة مع الآخر أياً كان موقعه، وحجمه، وإمكاناته، وقناعة كذلك من أن التحديات سبيل للمزايدة على استغلال الفرص، وإعادة تدوير العلاقات على أساس من التوافق وليس الاتفاق.

اللقاء المرتقب بين الرئيسين الأميركي والروسي في هلسنكي الفنلندية عنوانه العريض المصالح المشتركة ليس بين البلدين، ولكن أيضاً مصالح حلفاء البلدين، حيث لا يمكن أن يتنازل كل طرف عن حلفائه مادام يمثل وسيلة كسب في الصراع، أو استمرار التحدي في مشروع المنافسة لمزيد من الكسب، وبالتالي تبدو طاولة الحوار بين الزعيمين مثقلة بأجندات الحلفاء أكثر من التعاون المشترك بين البلدين.

روسيا مثلاً لا يمكن أن تضحي بحليفها الإيراني في الشرق الأوسط، وأميركا كذلك في الخليج، ولكنهما سيعيدان تدوير المصالح التي تبقيهما أكثر قوة، ومكانة، ونفوذاً أمام حجم التحديات التي فرضتها المنطقة منذ اندلاع الثورات العربية، وأكثر مواجهة للإرهاب وجماعاته حتى ولو كان الاختلاف أكبر في تصنيف كل طرف للإرهاب؛ فإيران من وجهة النظر الأميركية دولة إرهابية، بينما في روسيا تنظر إليها على أنها دولة حليفة، وكذلك الحال بالنسبة لبشار الأسد.

أكثر ما يهمنا في الشرق الأوسط من ذلك اللقاء هو موقف البلدين من إيران وسورية والقضية الفلسطينية؛ فمن الواضح أن هناك قرارات ستتخذ حيال تلك الملفات، والدليل أن مستشار خامنئي وصل إلى موسكو محملاً برسالتين من المرشد الأعلى والرئيس روحاني، والنظام السوري أخذ الضوء الأخضر لبسط نفوذه على مناطق المعارضة بما فيها مؤخراً درعا، ورئيس الوزراء الإسرائيلي عاد للتو من لقاء بوتين، بينما بحث معه الرئيس محمود عباس آخر التطورات في مسار القضية.

المؤشرات الأولية تظهر أن أميركا مصممة على الخروج الإيراني من سورية الذي ينادي به أيضاً حلفاؤها، يقابله انسحاب أميركي معلن من هناك بعد التأكد من عدم عودة تنظيم داعش للسيطرة أو المناورة مجدداً، وفي المقابل تصر روسيا وحلفاؤها على بقاء الأسد إلى موعد انتخابات 2021 - التي من المؤكد أن بشار لن يكون على كرسي الحكم بعد هذا التاريخ مهما كلف الثمن -، وخلال هذه المرحلة تبدأ مفاوضات جادة لتحقيق السلام مع الفلسطينيين مع كثير من التنازلات التي من المحتمل أن تكون على الطرف الفلسطيني أكثر منه في الجانب الإسرائيلي.

وأمام هذه التطورات والتحولات والتنازلات أيضاً ستبقى روسيا حليفة لإيران ولنظام الأسد وليس لبشار بذاته، وستبقى أميركا حليفة لدول الخليج والمنطقة العربية بعد إبعاد إيران عن مناطق النفوذ والسيطرة العربية، ولكن سيبقى الصراع مستمراً بين الدولتين أميركا وروسيا للمنافسة على استغلال ظروف كل طرف؛ لتعود المصالح في مهمة تدوير جديدة قد تكون مستقبلاً بلا تنازلات!.