قلنا إن ذا الرمة كان مصوراً عجيباً، ويمتلك عدسة سحرية نادرة، ومن ثم فإن علينا أن نأخذ القارئ الكريم إلى بعض المشاهد من أفلام هذا الفنان الملهم العظيم، الذي يصور الطبيعة تصويراً تلقائياً، ويلتقطها كما هي، حيث يحول الكلمات إلى ألوان.. وهنا تتجلى عبقرية اللغة، حيث يتمكن الفنان المقتدر من تحويل اللغة إلى ريشة، ترسم الطبيعية كما هي.. ترسمها رسما يجعلها تحتويك.. يجعلك تعيشها، وتلمسها، وتراها ببصرك، وسمعك، ووجدانك، بل تكاد تلمسها بأناملك.. 

إليكم هذه اللقطة السينمائية الساحرة لعُقاب استيقظ مع إطلالة الفجر.. هذا العقاب واقع على صخرة فوق ربوة.. وقد أظلّه الليل، وكان ليلاً ربيعياً بارداً يهطل بالطل، وقد استيقظ العقاب الأزرق مع انبلاج الفجر، وأخذ ينفض الطل الصافي الرقراق عن أجنحته، ذات الريش الجزل الفخم المتراكم، وقد أطلق بصره للفضاء، يستجلي الصيد البعيد بعينيه الحادتين وأنفه الأقنى 

«المعقوف»:

نظرتُ كَمَا جَلىّ على ظَهْر رَهوةٍ 

من الطَّير أقنَى يُنفضُ الطلَّ أزْرَقُ 

طِرَاقُ الخَوافي وَاقِعٌ فوقَ رِيعةٍ

نَدَى ليله في ريشهِ يتَرَقرقُ

أجزم أن أي فنان، مهما بلغت قدرته الفنية، وعظمته التصويرية، لن يصور هذا العُقاب في مَنبِلقِ الفجر على هذه الصخرةِ الصحراوية بعد أن بات تحت جناح ليلة ندية ظلت تهطل عليه حتى تغشاه الصبح بنوره كما رسمه شاعرنا القدير.!! وهذا مشهد آخر

فأمامنا الآن لوحة أسميها: لوحة الخزامى.. والخزامى نبت بري زكي الرائحة زاهي اللون، ينبت في أطراف الرياض، ومجاري السيل، ولا ينبت إلا إثر مطر الوسمي، فيأتي كثيفاً متناسقاً ممتداً على مرأى البصر، تحار فيه العين، فيظل المرء واقفاً مأخوذاً بجماله وازدهائه، وحين تهب عليه نسمات الصبح أو العشي، أو الليل، فإن رائحته تسكر الصاحي وتوقظ النائم. 

ها هي اللوحة أو المشهد السينمائي؛ لأن هناك حركةً واهتزازاً.. فقد هبت الريح على مَرْجِ الخُزامى وقد أجنّهُ الليل، والليل هنا يشبه طائرا ناعما له أجنحة من الطل، فلم يقع على زهر الخزامى، وإنما حام فوقه برفق، ومسه مساً رقيقاً رفيعاً بأطراف أجنحته المبلولة بالطل:

وَرِيحُ الخزامى رشّها الطلُ بَعدَما

دنا الليّلُ حتى مسَّها بِالقَوادَمِ

وهذه صورة أخرى لمشهد جمالي آخر، أظن أن الرسام الانطباعي الفرنسي (مُونييه) لن يستطيع أن يرسم مثلها. 

« لوحة الحوذان» 

.. فأمامنا روضة جاد عليها مطر الوسمي، فتعالى بها زهر الحوذان الكثيف البرتقالي اللون يمتد زهرها وقت الضحى مضيئاً وهاجاً، وكأن نبته فتائل أشعلت النيران فيها، فأصبحت الروضة كلها كتلة من النور والضوء المشع المتوهج: 

تَعالى بها الحوذان حتى كأنما

…أو: 

به اشُتعلت فيها الذباُّلُ القوَابسُ.. 

كَأَنَّ مُنَوِّرَ الحَوذانِ يُضَحّي

يَشُبُّ عَلى مَسارِبِهِ الذُبالا

     وانظروا إلى هذه الصورة العجيبة الغريبة لسحلية الحرباء في يوم شديد الحرارة؛ حيث ظلت تحت الشمس هزيلة ضعيفة، وقد شبحت يديها فوق عود: 

كَأَنَّ حِرْبآءَهَا فِي كُلِّ هَاجِرَة ٍ

ذو شيبة ٍ من رجالِ الهندِ مصلوبُ

هل رأى ذو الرمة شيخاً من شيوخ الهند هزيلاً ناحلاً وقد صلب على خشبة؟ 

أبداً ولكنها عبقرية التخيل وتركيب الصور المدهشة  

.. ويسير شاعرنا ليلا، فيميل إلى مورد ماء دربه عسير، وكانت الثريا متوهجة فوق رأسه كطائر»ابن الماء» الغرنوق الأبيض:

وَرَدْتُ اعْتِسافاً والثّرَيَّا كأنَّها 

على قِمَّةِ الرَّأْسِ ابنُ ماءٍ مُحَلِّقُ

يا لها من صورة لا يلتقطها غير مبدع ملهم.. 

 هذه نماذج بسيطة من متحف هذا الفنان العبقري،…. ومن أراد الدخول إلى عالمه المدهش فليذهب إلى ديوانه، ولكن عليه أن يكون بصيرا باللغة..!!