يرتبط الكذب بالأرنب تشبيهاً ولا أدري ماسر هذا الارتباط بالرغم من أنه حيوان وديع وأليف ورشيق بقفزاته الجميلة، وربما كان للقفز نصيب في هذا الارتباط الذي لا يستطيع فكه أعتى المحامين، اهتزاز مستوى الثقة يشكل هاجساً مقلقاً كلما اخترقت الوساوس سور القيم الصلب لتوغل في إنهاك المعتقد وتنال من شرف الامتثال لطاعة المولى عز وجل، المعضلة الأخلاقية المتمثلة في الكذب والمبالغة هاتان الصفتان اللتان تربطهما علاقة نسب، فالمبالغة تمهد الطريق للكذب، بل وتستدرجه ليضخ مزيداً من وقوده لتمعن الشائعات في النيل من استقرار واطمئنان المجتمعات، حماية الذات وإعادة الاعتبار لقيم البناء الصحيحة من الضرورة بمكان، في حين أن إهمالها سيهيىء البيئة التي تتكئ عليها مقومات الهدم المعنوي، وبالتالي يسهل اجتراح الأخطاء تلو الأخطاء، وتنشأ وفقاً لذلك مشاعر مؤذية كمركب النقص والشعور بالدونية وعدم تحقيق الحد الأدنى من الثقة بالنفس كعوامل مساندة من شأنها تمرير هذه الأرانب وتسهيل عبورها، نسبة كئيبة يحفها البؤس والشقاء من كل جانب وتحيط بها أسوار الشر ما برحت تمرر الشائعات لتسهم في تدمير الأوطان والأبدان، وهذا بلا ريب أسوأ أنواع الأرانب بل الأسوأ على الإطلاق، ضعف الإيمان يشكل جسراً سهلاً لعبور المخالفات تلو المخالفات فيما يعتقد البعض بأنها معصية صغيرة، وهذا من وساوس الشيطان لأن من يستمرئ ارتكاب المعصية الصغيرة فإن الكبيرة في نظره ستصغر وقيل لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن أنظر إلى من عصيت. الكذب محرم شرعاً وجاءت الأحاديث الشريفة الدالة على ذلك، والسؤال هنا لماذا الكذب، والكل يدرك بأنه معصية؟ الإجابة تكمن في اهتزاز الثقة بالنفس، والسؤال الذي يليه هو من أحدث هذا الاهتزاز؟ وكيف السبيل لردم هذا التصدع الذي ما برحت شقوقه تتسع لتنال من أساسات البناء؟ لا ريب أن الاضطراب المعنوي يؤدي إلى تنامي هذه التراكمات السلبية المفضية إلى تلك النتيجة، إذ إن الأساليب لم تأخذ البُعد الموضوعي للمعالجة فنشوء النعرات القبلية يؤدي للكذب، وكذب المدرس يؤدي للكذب، وحجز القيمة الإنسانية في الشكل دون المحتوى يؤدي إلى الكذب، الواسطة القميئة تؤدي للكذب، تعطيل الإجراءات يؤدي للكذب، هذا غيض من  فيض. وهكذا تنمو الشائعات وتترعرع وقطع غيارها المتوافرة ناهيك عن استغلال أساليب التقنية الحديثة لفبركة الصور والتصريحات. إن تقليص المساحات السيئة يتطلب تعويض هذا الفراغ بالجانب الحسن وإحلال ما يرضي رب البلاد والعباد، وبنفس القدر الذي يشعر به الإنسان من ألم معنوي تجاه محاسبته لنفسه وتأنيب ضميره له بنفس القدر الذي يؤثر فيه إزاء شيء اكتسبه أو صدر عنه فأنت لا تملك أن ترضي نفسك وقد انتقصت من أداء الآخرين وجرحت مشاعرهم، هذا التوازن الارتدادي يتم بقياس الأثر من عمل لا يليق وبشكل تلقائي حيث الضمير الحي الذي لا يكل ولايمل لتحقيق التوازن.