«إن القائد الناجح هو الذي يسيطر على عقول أعدائه قبل أبدانهم»، تلكم كلمات القائد العسكري الألماني روميل. مقالة اليوم تناقش الحروب النفسية وأدواتها منذ الحضارات القديمة وكيف أصبحت معركة السيطرة على عقول الأعداء؟

ننطلق اليوم من السؤال: ما هي الحرب النفسية؟ يختلف -حتى- المتخصصون في هذا المجال في تعريف موحد للحرب النفسية. ويمكن القول إنها الاستعمال المخطط والمُمنهج للدعاية ومختلف الأساليب النفسية للتأثير على آراء ومشاعر وسلوكيات العدو بطريقة تسهل الوصول للأهداف. وتُشن في وقت السلم والحرب على السواء، وتُستخدم فيها كل إمكانيات الدولة، ومقدراتها من سياسية، واقتصادية، وعسكرية، وإعلامية وغير ذلك من القوى التي تتفاعل مع بعضها البعض لتحدد كيان المجتمع وشكله. أما قاموس كوبلد فيعرف الحرب النفسية بأنها المحاولات التي تقوم بها لتجعل عدوك يفقد الثقة، ويتخلى عن الأمل، ويتملك منه الخوف؛ حتى تتاح لك فرصة الفوز.

وهذا ينقلنا للسؤال التالي: متى بدأ استخدام الحروب النفسية؟ يصعب تحديد تاريخ معين، ولكن ننتقل بالزمن إلى القرن السادس قبل الميلاد وتحديداً إلى معركة (الفرما أو بلوزيوم) بين القوات الفارسية بقيادة الملك (قمبيز) والقوات المصرية بقيادة الفرعون (بسماتيك الثالث). علم الفرس أن المصريين في ذلك العهد كانوا يقدسون القطط. بناء على ذلك أمر الملك الفارسي برسم القطط على دروع جنوده ووضع القطط والحيوانات المقدسة لدى المصريين في الصف الأول مما جعل الجنود المصريين مترددين وغير قادرين على القتال والهجوم خشية أن تحل عليهم اللعنات بإيذاء هذه الرموز المقدسة وفعلاً انتهت الحرب بانتصار الجيش الفارسي وأسر الفرعون المصري...

وننتقل بالزمن إلى القرن الثالث عشر الميلادي في وسط آسيا مع السفاح جنكيز خان والذي أفنى 11 % من البشر الذين عاشوا في زمانه، حيث كان يستخدم أسلوب الحرب النفسية عبر بناء أبراج الجماجم من الضحايا ويبطش لكي تتناقل الأخبار عن قوة جيشه وبأسه وما فعله هولاكو في بغداد جزء من هذه الاستراتيجية. ويرى الخبراء أن أعداد جيوش جنكيز خان لم تكن لتقدر على احتلال كل هذه المناطق الشاسعة لولا استراتيجة الرعب هذه.

وننتقل إلى القرن الخامس عشر ميلادي في بلاد المكسيك أو ما كان يعرف وقتها بإمبراطورية الآزتيك. في إحدى معابد الآزتيك تم العثور على صافرة صغيرة بشكل جمجمة بشرية. ورغم الظن بداية بأنها مجرد تحفة أو زينة اكتشف المتخصصون لاحقاً أن هذه الصافرة تصدر صوتاً مرعباً ومفزعاً يسبب الخوف والقشعريرة لمن يسمعه. وأقرب وصف لذلك الصوت الصادر من صفارة الجمجمة بأنه يشبه مئة إنسان يصرخ. ويرى الخبراء أنها كانت من أهم أدوات الحرب النفسية لدى الآزتيك في معاركهم لإرهاب أعدائهم قبل القتال خاصة وأن مئات الجنود الآزتيك كانوا ينفخونها في نفس الوقت.

حسناً.. ماذا عن الحرب النفسية في الحضارة الإسلامية؟ نجدها حاضرة، مع الفروقات الكبيرة في أخلاقيات الحروب، كما في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (نصرت بالرعب مسيرة شهر) وفي قوله عز وجل: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ). وفي الواقع كان الانسحاب التكتيكي لخالد بن الوليد في معركة مؤتة درساً خالداً في استخدام فنون الحرب النفسية ضد جيوش الروم.

وفي زمننا المعاصر تستمر الحروب النفسية والإعلامية في المحطات التلفازية ومواقع التواصل الاجتماعي ومراكز الدراسات والبحوث والمنظمات الإنسانية وغيرها كل بهدف الوصول لما ذكره الاستراتيجي العسكري الصيني (صن تز) بأن أعظم درجات المهارة هي تحطيم مقاومة العدو دون قتال.