هل المقلِّد للآخرين إنسان لا يثق بنفسه، لا يثق بما لديه، لا يثق بثقافته وعاداته أم محب للتغيير؟

هذا سؤال يتعلق بالتقليد بشكل عام لكنه ألح على قلمي وأنا أشاهد مباريات كأس العالم لكرة القدم في روسيا. قصات شعر بأشكال وألوان مختلفة تطورت إلى تقليعات تتمثل في رسوم ولوحات وكتابات على أجسام اللاعبين بعضها يعطي الانطباع بأنها مسابقة في التشويه، وليس في الفن الكروي.

أتساءل أحياناً: من بدأ هذه الظاهرة؟ ومن قلدها؟ وهل تعبر عن ثقافة وعادات وحياة المجتمعات التي ينتمي إليها صاحب القصات والرسوم؟ أم هي حرية شخصية تسير في ركب الموضات التي تجتاح العالم بأساليب دعائية تجارية يكون بطلها في الغالب نجم في مجال معين يتأثر به المعجبون فيقلدونه؟

هل القصات والرسوم جمال أم تشويه؟ هل تعبر عن شخصية صاحبها؟ هل تعبر عن أفكار أو مشاعر أو عن حالة نفسية؟ أو عن ثقافة بلد، ولكن أي بلد؟ وهي منتشرة في معظم الفرق!

في مجال كرة القدم على سبيل المثال، هل من حق الفيفا وضع تقاليد معينة للمنافسات الكروية تمنع هذه الظاهرة حماية للنشء من طوفان التقليد غير المفيد؟

نعم هو تقليد غير مفيد لأنه يلغي شخصية الإنسان المقلد ويجعله يمارس سلوكاً ليس له أي فائدة ولا يعبر عن شخصيته. التقليد يقيّد الإنسان ويجعله تابعاً منتظراً ماذا يأكل النجم وماذا يلبس وماذا يعمل في أوقات فراغه وما هي سيارته وأين يسافر إلخ . هذا يجعل المقلد بلا قرار.

من أقوال العلامة ابن خلدون المشهورة أن المغلوب مولع بتقليد الغالب. هذه المقولة تعيدني إلى تقليعات لاعبي كرة القدم وغيرها من الألعاب الرياضية وأتساءل: من هو الغالب ومن هو المغلوب؟ هنا تختلف المعايير، ممكن أن يحقق (الغلبة) في الرياضة دولة غير متقدمة في المجال الاقتصادي أو المجال العلمي فيكون السؤال: مَن يقلد من؟!

في الحديث عن التقليد لا بد أن نميز بين تقليد سلبي وهو ما يسمى التقليد الأعمى، وتقليد إيجابي يحقق فائدة للفرد والمجتمع. التقليد السلبي هو الناتج عن شعور بالنقص فيلجأ صاحبه إلى تقليد كل شيء بما في ذلك الملابس والطعام والعادات واللغة ومن ذلك نسخ الأفكار والأفلام والمنتجات التلفزيونية واستخدام عناوين بلغة غير اللغة الأم. أما التقليد الإيجابي فهو التقليد الواعي الذي يضيف ويطور ويبدع ويبتكر. التقليد السلبي يعني أن يسجن الإنسان نفسه فكرياً منتظراً ما يقوله ويفعله الآخرون.

السؤال الأخير: ما هي الثقافة التي تعبر عنها ظاهرة التقليعات الشكلية؟ هل نبررها بمبرر الحرية الشخصية أم نرفضها بمبرر التشويه وتأثيرها السلبي على الأطفال؟

أطرح السؤال بل الأسئلة وأترك الإجابة للمؤسسات الثقافية والتعليمية والتربوية والاجتماعية.