يلفت الفيلم الوثائقي المسمى «بنات القدر Daughters Of Destiny» الأنظار لتجربة المدرسة المجانية التي ابتكرها الهندي الكندي والتي تسعى لتبني أبناء وبنات الطبقة الاجتماعية المعروفة ب «غير الممسوسين أو المنبوذين the untouchables»، في محاولة لتغيير واقع تلك الطبقة المعدمة في الهند والتي لا يزيد دخل الأسرة منها على دولارين شهرياً، ومعظم ذلك الدخل يأتي من صناعة علب الكبريت، والتي تتشارك الأسرة في صناعتها بكبارها وأطفالها، عملية آلية تتم بينما الأفراد يتبادلون الأحاديث، مهارة تمارسها اليد دون حاجة للنظر وبسرعة خرافية مع سنوات التدريب وبصمغ يأكل أصابع الأطفال ويرجع للأسرة بالمقابل بقروش زهيدة.

المدهش في هذه التجربة الخيرية هو هذا الرجل مؤسس تلك المدرسة منذ عام 1999هـ وحتى وقتنا الحاضر، هذا الذي يخرج لالتقاط أولئك الأطفال كما في عملية تعدين للبحث عن الألماس في حضيض الفقر والمرض والعتم، يلتقطهم ليؤويهم في مدرسته الداخلية حيث يتكفل بكسوتهم وإطعامهم من نتاج الحقول التي يزرعها حول مدرسته والأهم من كل ذلك تعليمهم، ليس فقط التعليم التقليدي وإنما يقوم بما يشبه عملية الصقل النفسي والذهني والروحي بالإضافة لصقل المظهر الخارجي. فالأطفال المختارون لا ينشأون على أيدي المعلمات المختارات بعناية وإنما توفر المدرسة بالإضافة للمستوى التعليمي الراقي مجموعة من السيدات يُطْلَق عليهن لقب العمات، ومهمة هذه العمات العناية بالأطفال وتلبية حاجاتهم العاطفية، وتوفير الدفء والحنان.

إنها عملية تنشئة وتقويم بكل معنى كلمة التقويم النفسي والعاطفي والذهني.

تنصت بانبهار لنتاج تلك التجربة الفريدة، لأولئك الأطفال أو المراهقين بعد قضائهم لسنوات في تلك المدرسة، يبهرك نمو الوعي لديهم والحكمة والقدرة على تحليل الذات والواقع والتعبير عن ذلك شعراً وفناً. ترافق عدسة الفيلم عينة من أولئك الأطفال في زياراتهم الدورية لأسرهم، تلمس الفرق الهائل بينهم وأخوتهم الذين لم يحالفهم الحظ لينضموا لتلك المدرسة. تدرك تأثير البيئة في فقرها وغناها على القدرات الموروثة، تدرك أن الفقر يخنق الجينات مهما بلغ تفوقها، الفقر الذي لو كان رجلاً لقتله سيدنا الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.

تجارب كهذه توقفنا أمام أنفسنا لمحاسبتها، إذ ما الذي يقدمه كل منا لمن هم أقل حظاً من ذوي الحاجات والمعدمين؟ ما الذي نقدمه للبشرية؟ وكم نستثمر من أنفسنا ورخائنا في محاولة رفع الحاجة ودفع الكوارث؟ كم منا يُقْدِم على تضحية شيء ولو يسير من جهده ودخله في سبيل الآخرين؟