أجمل ما في بيان وزارة الإعلام، أنه اختصر دافع «ويمبلدون» لاتهام السعودية بأنه ترديد لأكاذيب قناة الجزيرة، وطرح البيان سؤالاً عميقاً: كيف لبطولة دولية أن تحتكرها قناة يظهر فيها مَن يفتي بجواز العمليات الانتحارية وقتل رجال الأمن؟

التوظيف الإعلامي المضاد على صعيد المحتوى لا يستحق الرد غالباً إذا كان المصدر يتعمّد نشر الأخبار الكاذبة والملونة، والسبب أن المشكلة في المصدر وليست في المحتوى المنشور، وبالتالي أي محاولة رد على تلك الأخبار هي إضاعة للوقت والجهد، وتضخيم للوسيلة على حساب المحتوى، وأسوأ من ذلك أن تجعلها نداً في ممارسة غير متكافئة بين الحقيقة والكذب أولاً، والإيديولوجيا التي لا تريد الفصل بين الخبر والرأي ثانياً.

من يتابع قناة الجزيرة يدرك حجم التوظيف الهائل للإساءة للسعودية؛ فالأقلام المأجورة، التي تنشر مقالاتها المسيئة عن السعودية بتمويل قطري، نجدها مباشرة في برنامج «مرآة الصحافة» تتصدر الأولوية، وتبدأ قراءة المقال بعبارة: قلل، أو شكك، أو انتقد الكاتب في صحيفة أوروبية غالباً سياسات أو مواقف أو توجهات السعودية، ويستمر الحال في برنامج «فوق السلطة»، الذي يكرّس جانباً من التناقض بين موقفين أو مقطعي فيديو لتحريض الجمهور على موقف ما، وهكذا البرامج الأخرى «ما وراء الخبر»، و»سيناريوهات» و»للقصة بقية»، فضلاً عن برنامج «ما خفي أعظم»، ونشرات الأخبار بكل تأكيد.

هذا الكم الهائل من البرامج الموجهة للإساءة إلى السعودية لا يمكن الرد عليه، أو تفنيد ما جاء فيها؛ لأن المصدر قناة الجزيرة، التي اتخذت سياسة عدائية واضحة، والمحتوى تبعاً لذلك، وبالتالي كان قرار التجاهل رسمياً أنجع وسيلة في التعامل، مع إبقاء المجهود الاتصالي للشعوب أمام اختبار الكشف عن الحقيقة من بين تلك الأكاذيب المتكررة.

«الجزيرة» أدركت أن الكذب لا يدوم، ولم يعد مؤثراً في التشويش على وعي الجمهور، وسلكت طريقاً آخر هو التسييس للموضوعات والقضايا التي تكون السعودية طرفاً فيها، مثل الحج، والعمرة، والزيارة، والرياضة، وحقوق الإنسان، والقائمة تطول، حيث أقحمت السياسة في كل تلك الموضوعات؛ بحثاً عن مادة إعلامية تسيء فيها للسعودية، واقتضى الموقف الرد هنا للتصحيح، ليس من أجل قناة الجزيرة، التي لا تستحق أن تكون نداً في المواجهة، ولكن لتوضيح الحقائق أمام الحكومات والمنظمات الدولية والشعوب أيضاً، إلى جانب اتخاذ الإجراءات القانونية التي تحمي النظام ومؤسساته ورموزه من أي انتهاك للحقيقة التي يؤمن بها.

لم ينته التسييس القائم من قناة الجزيرة، ولكنه وصل إلى تحريك فاعلين جدد لإقحام السعودية في موضوعات وقضايا لا علاقة لها بها، واتهامها كذباً، وكان آخرها البيان الصادر عن بطولة «ويمبلدون» الدولية لكرة المضرب؛ بشأن قرصنة البث التي تقوم بها الجهة المعروفة باسم «بي أوت كيو»، وزعمها أنها تتخذ من السعودية مقراً لها، وأن السعودية متواطئة على نحوٍ ما في ذلك البث، دون أن تقدم «ويمبلدون» دليلاً واحداً على صدق مزاعمها.

رد وزارة الإعلام السعودية على بيان «ويمبلدون»، الذي يعد نموذجاً مميزاً في استراتيجية الردود على التغطية السلبية، لم يكتفِ بتكذيبه، بل اختصر دافعه، وهو ترديد الأكاذيب الصادرة عن شبكة الجزيرة وفرعها «بي إن سبورت» الوكيل الحصري لـ»ويمبلدون» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وزاد عليه الرد تأكيداً من أن أجهزة استقبال «بي أوت كيو» موجودة في أماكن عدة بينها قطر وشرق أوروبا وغيرهما، كما أن «بي أوت كيو» تقدم نفسها على أنها تتخذ من كوبا أو كولومبيا مقراً لها، كذلك التزام السعودية بحقوق الملكية الفكرية بمصادرة آلاف الأجهزة المخصصة لاستقبال بث «بي أوت كيو»، فضلاً عن أن الادعاء بأن السعودية تستغل وجود مقر «عربسات» في الرياض لتسهيل عمليات «بي أوت كيو»، هو اتهام غير دقيق؛ لأن «عربسات» غير خاضع لإدارة الحكومة السعودية، وإنما تابع لجامعة الدول العربية، وتملكه 22 دولة.

 أجمل ما في بيان وزارة الإعلام السعودية، أنه ترك الباب مفتوحاً لمنظمي بطولة «ويمبلدون» لتقديم الدليل ولم يحصل إلى الآن، واستغرب من إمكانات شبكة الجزيرة التقنية التي لا تضاهى كما يردد القائمون عليها، ومع ذلك تم اختراقها بسهولة، وطرح البيان سؤالاً عميقاً: كيف لبطولة دولية أن تحتكرها قناة يظهر فيها مَن يفتي بجواز العمليات الانتحارية وقتل رجال الأمن؟

مشكلة قناة الجزيرة أنها لم تعِ بعد أن الجمهور واعٍ، والحكومات قادرة على إعلان الحقيقة، ولم يعد هناك مجال للتشويه ونشر الأكاذيب، وبالتالي دخلت القناة في مأزق: كيف نكذب مجدداً؟ وكيف نستعين بمن يساعدنا على الكذب ولا ننكشف؟