استحوذت الحكومة القطرية على قناة البي بي سي العربية البريطانية التي كانت تبث ضمن مجموعة الأوربت. اشترتها قطر بكامل عتادها ورجالها وأبدلت اسمها من البي بي سي إلى الجزيرة. نقلت استديوهاتها من لندن إلى الدوحة. أصبحت قطرية مئة بالمئة. استفادت الجزيرة من حرفية وخبرة البي بي سي في صناعة الخبر والرأي والصورة إلخ.

مع انطلاقة الفضائيات برزت الجزيرة بوصفها القناة العربية الوحيدة التي اتسمت بالحرفية والخبرة. لم تحتج إلى وقت طويل لكسب الشارع العربي. استندت على موثوقية البي بي سي في الشارع العربي في التعامل مع الأخبار والتحليلات ونقل وجهات النظر. لا شك أن بريطانيا بلد حرية الرأي. تستطيع أن تصدع برأيك مهما كانت غلاظته. انعكس هذا على أداء البي بي سي في نقد الداخل البريطاني والخارج. اكتسبت إذاعة (هنا لندن) ثقة المواطن العربي في كل الأقطار العربية. في كل الأحداث التي تلم بالبلاد العربية كان المواطن العربي يتجه إلى (هنا لندن) ليعرف الحقيقة التي تقف وراء هذه الأحداث.

من هذا المنظور اتخذت الجزيرة لنفسها شعار منبر من لا منبر له. يشي هذا الشعار أن الجزيرة قناة خصصت لحرية الرأي. لكنه لا يشي أي شعب يستفيد من هذه الحرية. الشعب القطري أم الشعوب العربية؟

حرية الرأي هي أن تعبر عن رأيك داخل بلادك حول ما يدور في بلادك. حق دستوري في كثير من البلاد الغربية، أن يسمع مواطنوك وحكومتك وجهة نظرك سواء كانت متفقة أو مختلفة مع رأي الحكومة أو التيار السائد. أما الرأي الذي يمس دولة أخرى يأتي عرضاً ووفق قانون محدد يمكن التحاكم إليه عند الضرورة. ما الذي يعنيه أن يبسط المواطن السوفيتي رأيه في السياسة الأميركية وهو عاجز أن يقول كلمة واحدة تنتقد سياسة بلاده. يسرد الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريجان أثناء ولايته نكتة يسخر بها من السوفييت؛ تفاخر أميركي قائلاً أنا أستطيع أن أنتقد حتى الرئيس الأميركي فرد عليه السوفييتي وأنا كذلك أستطيع أن أنقد الرئيس الأميركي.

هذه النكتة القديمة تعبر عن مفهوم قناة الجزيرة للنقد وحرية الرأي. تستطيع الجزيرة أن تنتقد كل شيء في العالم العربي ولكنها لا تستطيع أن تنقد قطر أو حكام قطر.

الجزيرة عملياً تمارس التأليب وحرب التأليب حرب متبادلة. إذا دولة أخذت تؤلب شعباً على حكومته ففي العادة يأتيها الرد بتأليب مضاد. في هذه المسألة تتفوق قطر. لا يوجد في قطر من تؤلب عليه. تؤلب من على من في قطر. أين هي الفئة من الشعب القطري التي تريد أن تؤلبها على الحكومة القطرية. لا يوجد في قطر قوى شعبية متنوعة دينية أو ثقافية أو توجهات سياسية يمكن استمالتها أو التأثير فيها أو حتى شراؤها كما يتوفر في كل الدول الأخرى. لأول مرة يصبح اللاشيء قوة.