نقر بدءاً بأن العمل الثقافي المرتجى ما زال بعيداً عن طموحاتنا. فالثقافة بدت وكأنها حائرة بخطواتها الخجولة ومحطاتها التي تجاذبتها البيئة المحلية بين رفض وتحفظ حيناً، وقبول حذر حيناً آخر، في حين ظل كثير من قطاعات المثقفين الطامحين للانفتاح حائرين أمام ما يرجون .. 

ومهما قلنا عن الجهد الثقافي طوال عقود فإننا ـ للأسف ـ لا يمكن أن نضعه في مكان متقدم، فالكثير منه كان يتم بالاجتهاد الفردي، ولم يكن أبداً من الأولويات حتى من الجهات التي كانت تتصدى لمهامه، ولهذا كان المسرح السعودي غائباً تقريباً، وظل الاهتمام بالكتاب ينحسر حتى أقفلت الكثير من دور النشر أبوابها، كما أن الفنون كلها تقريباً ظلت في سبات أو حالات يقظة متقطعة، خصوصاً أن التشدد الصحوي كان من أكبر المعاول التي سعت لهدم كل مجالات الفنون والإبداع.

الثقافة عمل كبير شامل، يشكل الوجدان العام للمجتمع، ويصنع الذائقة والمعرفة والقدرة على التفاعل مع المحيط، وهي سمة من سمات الرقي لأي مجتمع، فبقدر ما يتمتع به الإنسان من ثقافة .. بقدر ما يتأصل في نفسه من قدرة على الإسهام المميز في نماء مجتمعه أينما كان وجوده. 

إن إيجاد وزارة متفرغة للعمل الثقافي.. دون أن تزاحمها أعباء أخرى، وبميزانية مخصصة ومهام محددة، هو خطوة تستحق التقدير الكبير لرؤى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، وهو القائد الذي يعرف قيمة الثقافة، والمثقف الذي عرف بمتابعاته الشخصية والفاعلة - يحفظه الله - فكان إنشاء هذه الوزارة فأل خير على القطاع الثقافي بكل لافتاته وعناوينه وتفاصيله.

إن وزارة الثقافة، بما تحمله من مضامين شاملة في ترقية الوعي والذوق والفكر والفن والمعرفة، تحتاج إلى عمل لا تكبله قيود الروتين، ولا تعيقه كثرة الإجراءات والمعاملات والمواعيد العرقوبية، ولذلك فإن نجاح الوزارة متوقف على قدرتها في الانفلات من سلبية التفاعل السلحفائي، والنجاة من براثن العمل التقليدي المتثائب. 

أول خطوة مرجوة من وزارة الثقافة أن تهتم بإعادة النبض لحركة التأليف والنشر، وهي حركة عانت ما عانت بسبب العزوف عن القراءة، ولم يعد لها من متنفس سوى معارض الكتب الحولية، لتبقى مهمة الوزارة العمل بمنهج مؤسس على إعادة القارئ إلى ساحة الكتاب، وإعادة دور النشر إلى أداء مهامها وعملها التنويري الكبير.

ثم ننتظر الاهتمام بحركة الترجمة للأعمال المميزة من كافة ثقافات الدول ولغاتها، فالترجمة من أهم روافد الثقافة وتنمية الفكر والمعرفة، حيث ظل هذا الجانب ضعيف الفاعلية في حياتنا الثقافية.

كما أن هناك ضرورة للاهتمام بالفنون المسرحية والاستعراضية، وكل المناشط التي تهتم بالتراث من كافة نواحيه، وترقية الذوق الفني والموسيقي والغنائي والإنشادي والشعري، وإعطاء جرعات حقيقية للاهتمام بالفن التشكيلي وبقية الفنون الأخرى.

الثقافة الآن على أعتاب مرحلة جديدة ومهمة.. والفرصة باتت مواتية لتحقيق نجاحات ثقافية كبرى على يدي وزيرها سمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود.