على خلاف ما تنطق به، تعلم حكومة الملالي يقيناً أنها لم ولن تجرؤ على المساس بأمن المضيق المائي «هرمز» لاعتباراتٍ عدّة، أهمها وضعه القانوني الذي يصنّف دولياً ضمن «أعالي البحار» الذي يعطي الحق لجميع الدول الإبحار فيه دون قيدٍ أو شرط، ومع ذلك فإن المملكة لديها الاستعداد الكامل بالاستغناء عنه، والانتقال بتصدير شريان الطاقة للعالم عبر البحر الأحمر غربي البلاد. ويرى خبير في شؤون النفط أن إيران لا تستطيع المساس بأمن المضيق وتصدير شحنات النفط منه، وإنما يعد ذلك ضمن محاولاتها اليائسة لافتعال المشكلات، حيث إنها تلجأ لذلك كلمّا ازداد ألم العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.

وقال لـ»الرياض» مستشار شؤون الطاقة وتسويق النفط مدير دراسات الطاقة في منظمة أوبك سابقاً الدكتور فيصل مَرزا: إن أسعار النفط هبطت بسبب مخاوف تباطؤ الطلب بسبب الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، وهذه مجرد مخاوف لن تتحقق؛ لأن الطلب على النفط في تزايد مستمر ويواجه شحاً في الإمدادات، فعند الإغلاق الأسبوعي هبط خام برنت إلى 77.11 دولاراً للبرميل، وهبط خام غرب تكساس (نايمكس) إلى 73.92 دولاراً للبرميل، واستمر الفارق بينهما بالتقلّص إلى 3.19 دولارات للبرميل، مما انعكس على انخفاض صادرات الولايات المتحدة من النفط، وزيادة وارداتها مؤخراً.

وتابع الدكتور مَرزا بقوله: إن المستويات القياسية التي وصل إليها الفرق السعري بين خامي برنت ونايمكس عند11 دولاراً قبل شهر حفّز الصادرات الأميركية، ولكن الفرق السعري لم يستمر وبدأ يرجع إلى المستويات المعتادة ما بين 2 - 3 دولارات، وذلك بسبب بعض التعقيدات اللوجستية لنقل النفط الصخري، ومن الصعب أن ترجع الفجوة بين الخامين القِياسيين إلى الاتساع السابق بسبب العوامل اللوجستية التي لن تدعم استدامة صادرات النفط الأميركي الخفيف إلى المصافي الآسيوية المتطورة والمصمّمة لمعالجة نفوط الخليج العربي عالية الكبريت مع محدودية قدرة المصافي الأميركية على معالجة المزيد من النفط الخفيف، ومن المُؤكد أن تنافسية خام برنت لخام نايمكس لا تتعلق فقط بضعف تنافسية خام نايمكس، ولكن الجانب المرجح هو أيضاً قوة خام برنت المدعوم من المصافي الأوروبية، والآلية التسعيرية البحرية على العكس آلية خام نايمكس المغلق بعيداً عن الساحل عند نقطة تسعير خزانات كوشنق في ولاية أوكلوهوما، ولذلك فإن أكثر من ثلثي التداولات النفطية عالمياً ترتبط بخام برنت الأكثر استجابة لمتغيرات العرض والطلب في أسواق النفط، على عكس محدودية الربط التسعيري لخام نايمكس.

وفي سياق آخر قال الدكتور مَرزا: إن رجوع إيران لتهديداتها بإغلاق مضيق هرمز هو ورقة تستخدمها عند كل توتر بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية، كذلك محاولات للضغط على المملكة، ورغم كل ذلك لم يحصل من ذلك شيء، بل أصبحت محاولة إيران التأثير على القرارات السعودية من خلال التهديد بإغلاق مضيق هرمز أمراً عبثياً فقط لا يلامس الواقع، فمن دون أدنى شك يعدّ مضيق هرمز معبراً دولياً مهماً للغاية لذلك فإنه يحق للسفن المرور منه دون شرط، ومن حق جميع الدول الملاحة فيه ولا يملك أحد التحكم به، ففي القانون الدولي المضيق جزء من أعالي البحار وهذا المضيق يمثل عنق زجاجة وأهم ممر مائي لتجارة النفط في العالم.

وذكر أن المضيق على الرغم من تكرار تهديدات إغلاقه إلا أنه لم يسبق أن أغلق، ولا تملك إيران سوى افتعال بعض المشكلات التي تجعل الأمر محفوفاً بالمخاطر ليس أكثر، وربما يغيب عن البعض أن إغلاق مضيق هرمز ضرره الأكبر ليس على الدول المنتجة للنفط، بل سيكون الضرر الأكبر على الدول المستهلكة له، والتي تعتبر بعضها نافذة يتنفس منها نظام ملالي طهران، فإغلاق المضيق مجازفة لا أشك أن إيران أجبن من الإقدام عليها؛ كون إغلاقه سيمنع تصدير أكثر من ثلث صادرات العالم من النفط ونحو 40 % من تحركات النفط ومشتقاته العالمية.

بالرغم من أن هناك دولاً في الشرق والغرب سيتوجب عليها الدفاع عن مصالحها قبل المملكة في حال تم إغلاق المضيق، وما هو واضح من استبعاد إغلاق هذا الشريان فإن المملكة العربية السعودية قد اتخذت من التدابير ما يجعلها في مأمن من التأثر بهذا التهديد، فلديها بدائل التصدير على الساحل الغربي في البحر الأحمر ما يجعلها لا تلتفت لبالون إغلاق مضيق هرمز، الذي تحاول بعض الجهات النفخ وفيه وجعله حدثاً مهماً ولا يمكن لأحد أن يجعل من تلويح إيران بإغلاق مضيق هرمز للتأثير على القرار السعودي أمراً لا يُعد أكثر من التهديد بالورقة الخاسرة من نظام خاسر، والمملكة اليوم تجاوزت هذه المرحلة في حين لاتزال إيران تبحث عن ساحة أخرى لتنشر فساد عمائم ملاليها بعد تضييق الخناق عليها.