أرى أن بسمارك طبّق استراتيجية يمكنني أن أُطلق عليها مسمى «القوة أولاً.. ثم الحُرية» فعندما بدأ أولى خطواته بالكفاح في سبيل الوحدة الألمانية خاض ثلاثة حروب قصيرة في عام 1862م..

ليس هناك أشد بؤساً من أن تعيش مُكافحاً منذ نعومة أظافرك، فتعيش طفولتك كأنك تعيش في فترة كهوله!

والكفاح له مسارات وغايات مختلفة، ويوجد كفاحاً من بين مئات المسارات من الكفاح قد يسلُب منك الحياة وينتزعها كما ينتزع ملك الموت الرّوح، إنه الكفاح لإعمار الأرض، البشر، الفِكر. فلو قُدِّر لي أن أعيش عشرين سنةً أُخرى لـ كرّستها للقراءة فقط، لأخبركم بعدها كم نحن أقزام أمام المعرفة عبر التاريخ وكم نحن طُغاة أمام ما وهبنا به الرّب من عقول لم نستثمرها كما يجب أن تُستثمر، فكتب التاريخ التي امتلأت بالأتربة على أرفُف المكتبات لدينا -على سبيل المثال- حملت في سطورها روايات للكفاح بأشكاله وأنواعه لمن أراد أن يقرأ، ليجرؤ على الكِفاح.

فمثلا «بسمارك» الذي لم يترُك الكِفاح قَطّ مع تبدُّد وهمه، فهو لا يهجر السياسة أبداً، وهو لا يلجأ أبداً سوى للطبيعة والعُزلة استهانةً بالمجتمع الذي يُحيطه، وأحياناً يلجأ لحبيبته خُلسه، ثم يخشى الغرور ويعود لـ يُقزِّم من نفسه ويُوبّخها!

وبسمارك لمن لا يعرفه، هو رجل دولة وسياسي بروسي - ألماني شغل منصب رئيس وزراء مملكة بروسيا بين عامي 1862 و1890م وهو من وحّد الولايات الألمانية كما نراها اليوم، وهو أول مستشار لها بعد قيامها في العام 1871م وأثرت أفكاره على السياسة الداخلية والخارجية لألمانيا في نهاية القرن التاسع عشر، لذا عُرِف بلقب «المستشار الحديدي» وبالتأكيد هناك اختلاف بين مصطلح مستشار لدينا ومستشار لدى الغرب.

وعلى أية حال في هذه الفترة 1862م شن بسمارك ثلاث حروب قصيرة وحاسمة لصالح بروسيا ضد كل من الدنمارك والنمسا وفرنسا، وبعد الانتصار على النمسا ألغى الاتحاد الألماني، وأنشأ بدلاً عنه الاتحاد الألماني الشمالي كأول دولة قومية ألمانية في العام 1867م وأصبح بسمارك المستشار الفيدرالي لهذا الاتحاد، وفي 1970م أقدم إمبراطور فرنسا نابليون الثالث على إعلان الحرب ضد بروسيا، وهو ما دفع ولايات جنوب ألمانيا للوقوف إلى جانب بروسيا.

وقد تمكن بسمارك من الانتصار على فرنسا في المعركة الشهيرة «سيدان» وقام بعدها بإلغاء الاتحاد الألماني الشمالي وأسس الرايخ الألماني في عام 1871م وتم الإعلان رسمياً عن تأسيس الرايخ الألماني في قصر فرساي قرب باريس!

ثم من بعد سنوات الكِفاح التي أراها «جبّارة» لأن كِفاحه تجاوز حدود أرضه «بروسيا» حيث حمل على عاتقه تغيير وتطوير فِكر الولايات الألمانية من حوله بواسطة قواه الناعمة من خلال تأسيس دولة ذات رفاهية بكل هدوء وصمت، ويعتبر هو أول مؤسس دولة رفاهية في العصر الحديث، وكان الهدف من الرفاهية هو الوقوف بوجه تغلغل الأفكار الاشتراكية والراديكالية وسط الحركة العمالية، رداً على الغزو الفكري- ولكن قبل ذلك حسّن أوضاع العمال المعيشية وطوّر نظام التأمينات الاجتماعية، إذ إن البشر إن جاعوا لن يُجاملوا كائناً من كان، حيث يتحولون إلى كائنات مُفترسة لذا حسّن معيشتهم كجزء وقائي من أن يستغلهم أحد ضده.

وبعد تأمين لقمة العيش تحالف بسمارك مع اللبراليين ضد الكنيسة الكاثوليكية التي قيّدت الأدمغة لقرون سالفه، وأيضاً لأنها أخذت حيزاً كبيراً في السلطة السياسية، لذلك بدأ بحملته التي عُرِفت بـ»الحرب الثقافية» ضدها، فألغى القسم الكاثوليكي في وزارة الثقافة البروسية، وأصدر قوانين سمحت للحكومة بالإشراف على تعليم رجال الدين، وقللت من سلطات الكنيسة لكن هذه الحملة ضاعفت من قوة المتطرفين الكاثوليكيين، ثم أنهى التحالف مع اللبراليين، وتحالف مع حزب الوسط الكاثوليكي لمحاربة الاشتراكيين وحُسم الأمر في النهاية لصالحه.

أما عن السياسة الخارجية استخدم بسمارك استراتيجية «توازن القوى» لغرض الحفاظ على ما حققه من أهداف ومكاسب سياسية في القارة الأوروبية، بالإضافة إلى سعيه لإحلال السلام للحيلولة دون إثارة حرب مع فرنسا، حيث وقع العديد من معاهدات السلام مع كل من روسيا والنمسا كما سعى «بصمت» إلى عزل فرنسا عن بقية الدول الأوروبية وبالذات عن النمسا وروسيا والمجر، كي لا يضطر لاحقاً إلى خوض حرب على جبهتين اثنتين مع روسيا من جهة وفرنسا من جهة أخرى.

وخُلاصة ما ذكرته أعلاه أرى أن بسمارك طبّق استراتيجية يمكنني أن أُطلق عليها مسمى «القوة أولاً.. ثم الحُرية» فعندما بدأ أولى خطواته بالكفاح في سبيل الوحدة الألمانية خاض ثلاثة حروب قصيرة في عام 1862م ضد الدنمارك والنمسا وفرنسا؛ ولا أرى تفسيراً جوهرياً للخوض في هذه الحروب سوى استعراض للقوة أمام مُنافسيه ومن ثم العزف على الروح القومية لبقية الولايات الألمانية، حتى تتحد أثناء الحرب ضد «الأعداء» وهذهِ إحدى فوائد الحرب، وختم حُروبه بموقف استفزازي ظل أثره في الذاكرة الفرنسية إلى الوقت الحالي، وهو اختياره «قصر فرساي بالقرب من باريس» لإعلان توحيد ألمانيا.

إذن هو استعراض للقوة العسكرية، والقوة في حق تقرير المصير في آن واحد، كما أنه التفت إلى الجبهة الداخلية وهي جبهة «فكرية مُعقّدة» وحاربها بالرفاهية واتخذ أسلوب الشد والجزر من خلال تضامنه مع اللبراليين إلى الوسطيين من الكاثوليك، كما لا ننسى اهتمامه ورعايته للعمال والناس الجائعين الذين كانوا لولا رعايته لهم لأصبحوا جنوداً لغيره!

ثم بعد ان استتبت الأحوال بالداخل «الألماني» والخارج أعلن عن تبنيه لمبدأ السلام، وهو بذلك يلوّح للمجتمع الدولي أنه أصبح حُراً.. نعم حُراً في سياسته الخارجية والداخلية..

نعم يا سادة إنه الكفاح الذي سلب الحياة من بسمارك كما نرى نحن، لكني متأكدة بأنه كان يرى الحياة من خلال كِفاحه، فلا قيمة للكفاح في سبيل الحُرية ما لم تتخذ من القوة سلاحاً أولياً، وإلاّ مُت كـالجُبناء!