يرى المثقف الموسوعي أبو بحر الجاحظ أنّ السعادة في مجاراة الحمقى والتجاهل مع الجهلاء والتخليط مع المُخلطِّين (ولعلهم الذين يجمعون الهزل مع الجد) ويؤكّد أنّ العقل يطرد السعادة، يقول -وشعره قليل-: 

تحامق مع الحمقى إذا مالقيتهم 

ولاقهم بالجهل فعل ذوي الجهلِ 

وخلّط إذا لاقيت يوما مُخَلِّطاً 

يخلط في قولٍ صحيح وفي هزلِ

فإني رأيتُ المرء يشقى بعَقلِهِ 

كما كان قبل اليوم يسعدُ بالعقلِ

أما الدكتور أحمد زكي (الذي قرأنا له كثيراً حين كان رئيس تحرير مجلة “العربي”) فرأيه على النقيض، أسعد الناس عنده العاقل المثقف.. يقول: 

(إن المثقف والتام التثقيف الذي تثقف حسه، وتثقف عقله، وتثقف قلبه وجمع إلى العرفان الحكمة، هو أسعد مَنْ على هذه الارض.. سعيد في شبعه وجوعه، في عريه واكتسائه.. سعيد ما بقي له شعاعُ عقله ودفء قلبه وتفتُّح بصيرته)

ولكنّ الجاحظ جمع بين الأمرين، فهو غزير الثقافة، راجح العقل، ومع ذلك يخلط الجد بالهزل، ويسخر من نفسه كثيراً، وقد قال:(.. كنتُ في السوق فجاءت امرأة جميلة جدا، طويلة أنيقة، وابتسمت لي بدلال وأخذت بيدي وأنا غير مصدق، قد سُررت وزهوت، فسارت بي ثم أوقفتني على باب صائغ وقالت: مثل هذا! وأشارت لوجهي، وتركتني وانصرفت وأنا مُتعجّب، فسألت الصائغ: مالحكاية؟ فقال: أعطتني هذه المرأة خاتماً له فصٌّ كبير، وقالت إرسم عليه صورة الشيطان، فقلت: أنا لم أر الشيطان حتى أرسمه! فجاءت بك وقالت: مثل هذا.!) وقد كان الجاحظ دميماً غائر العينين، وجهه على كتفيه بلا رقبة! ومع ذلك لا نشك أن قصته مُختلقة للدعابة، وله في السخرية من نفسه نوادر مثل هذه كثيرة ومعروفة، كما أنه في كتبه الجادة والمشهورة (كالبيان والتبيين، والحيوان) يخرج كثيراً من الجدّ إلى الهزل، ويسترسل في رواية طرائف ومواقف مضحكة، ويرويها باللهجة العامية، ويرى أن حلاوة الطُّرْفة في نقلها كما حدثت في الوسط الشعبي.

وأكثر الشعراء يرون السعادة في الحماقة، والشقاء في العقل، وأولهم المتنبي: 

ذو العَقلِ يَشقَى في النّعيمِ بعَقْلِهِ  

وَأخو الجَهالَةِ في الشّقاوَةِ يَنعَمُ

ولا نوافق شاعرنا الكبير، فالجاهل يعيش في ظلام، ولكن السماحة والتغافل من أسباب السعادة، فإن (التغافل نصف الحكمة) وهي لبُّ السماحة، ولا سعادة بلا سماحة.

وبشكل عام فإن السعادة في حياة الإنسان تُشبه الزهرة اليانعة الجميلة لكنّها سريعة الذبول، لأنّ الإنسان بطبعه ملول، وما تملكه يده تزهد فيه عينه، ولن يحس بسعادته التي أنكرها حتى يفقدها.

إنّ أسهل وأجمل وصفة للسعادة هي (شُكر الله عزّ وجل) باستمرار، لأن الشكر يجعل الإنسان يرى، دوماً، وبوضوح، الخير الذي هو فيه، والنِّعم التي أسبغها الله عليه.. فوق هذا فإن الشكر (عبادة وسعادة).