قبل عام صدر قرار خادم الحرمين الشريفين بتعديل مسمى هيئة التحقيق والادعاء العام إلى النيابة العامة، وتسمية رئيسها النائب العام، وترتبط مباشرة بالملك، وتتمتع بالاستقلال التام، وليس لأحد التدخل في عملها، ويمثّل هذا القرار مرحلة تحول مهمة في تاريخ النيابة العامة، وفصلها عن السلطة التنفيذية، وتعزيز صلاحيتها كسلطة قضائية مستقلة ومحايدة.

إن المتابع لاختصاصات النيابة العامة في التحقيق في الجرائم، والتصرف في التحقيق في رفع الدعوى أو حفظها، والادعاء أمام الجهات القضائية، وطلب تمييز الأحكام، إلى جانب الإشراف على تنفيذ الأحكام الجزائية، والرقابة والتفتيش على السجون ودور التوقيف والاستماع إلى شكاوى المسجونين والموقوفين والتحقق من مشروعية سجنهم أو توقيفهم، يدرك حجم المسؤولية الكبيرة التي تضطلع بها النيابة العامة، ورؤيتها في تعزيز العدالة وحماية المجتمع، وتقديم رسالتها في حماية الحقوق والحريات، من خلال نصرة المظلوم والأخذ بيد الظالم بالتعاون مع الجهات العدلية والأمنية ذات العلاقة.

وهذه المنطلقات من عمل النيابة في هذه المرحلة تتطلب جهداً إعلامياً يعكس تلك المهام، وما ينتظره الجمهور من تحقيق التواصل والاتصال معهم، وفق معادلة إعلامية مهمة تراعي تشكيل الوعي المجتمعي من معارف وتوجهات وحقائق حول القضايا المثارة، وفي الوقت نفسه تحافظ على مكانة النيابة العامة وسمتها وسرية أعمالها، وأن لا يكون المحتوى الإعلامي للنيابة مصدراً للإعلام المضاد للنيل من المملكة، وأنظمتها، واستقلاليتها.

الوعي في أبسط مفاهيمه يبدأ بالمعرفة وينتهي بالمشاركة، والجهود الإعلامية المبذولة حالياً من النيابة العامة، ممثلة في بياناتها الصحفية، وموقعها الإلكتروني، وحساباتها في شبكات التواصل الاجتماعي لنشر الوعي الحقوقي والحد من الجريمة، لا تزال متوقفة عند المعرفة بالأنظمة (التوعية)، ولم تصل بعد إلى مستوى المشاركة مع الجمهور (الوعي) الذي هو أساس العملية الاتصالية اليوم.

من يتابع تغريدات وأخبار النيابة العامة يصنّفها على أساس التوعية بالعقوبات بأسلوب التهديد والزجر أحياناً، أو تحريك الدعاوى للأحداث والمواقف التي يثيرها الجمهور في شبكات التواصل الاجتماعي غالباً، على أنها ردة فعل من الجهاز الذي ينوب عن المجتمع في التصدي إلى أي مظاهر مخالفة، وليس فعلاً مبادراً يسبق الجميع، وكل ذلك في لغة الإعلام اليوم تعد ممارسة تقليدية، ولا تكفي أمام جمهور نشط يستمد مكانته من تفاعله، وتعدد مصادره، وقدرته على صناعة الرأي العام والتأثير فيه.

المطلوب أن تتحول الرسالة الإعلامية للنيابة العامة من التوعية التي لم يعد يجهلها الجمهور إلى الوعي الذي يعزز المشاركة، وبعبارة أدق أن تتحول من أسلوب التعريف بالصواب والخطأ إلى صناعة مادة إعلامية لتعريف الجمهور بنهاية الصواب والخطأ، من خلال تقديم محتوى يعكس رؤية ورسالة وقيم النيابة للمجتمع، والانفتاح أكثر على الجمهور، حيث تمتلك النيابة مادة إعلامية خام من المعلومات والحقائق والأرقام والقضايا، فضلاً عن التوجهات والقرارات والتنظيمات التي لم ترَ النور بعد، وهي كافية أن تتحول إلى مئات القصص الإخبارية والمواقف الاتصالية لتحفيز الجمهور على المشاركة.