تتجه أنظار الساسة والاقتصاديين إلى أوروبا خلال هذه الأيام، وتستمر إلى أسبوعين مقبلين؛ لترقب تداعيات الاتفاق النووي مع إيران بعد الخروج الأميركي منه، وما تسفر عنه العقوبات الأميركية على الشركات والدول المتعاونة مع إيران، مع بدء سريان تلك العقوبات بشكل رسمي في الرابع من شهر نوفمبر المقبل.

الرئيس الإيراني وصل إلى سويسرا والنمسا لتثبيت المواقف الأوروبية من الاتفاق، ووزير خارجيته محمد جواد ظريف التقى في فيينا ممثلين عن دول الاتفاق النووي مع بلاده، والرئيس الأميركي دونالد ترمب يصل إلى أوروبا نهاية الأسبوع المقبل لدفع قادتها على الانضمام إلى العقوبات الاقتصادية الشاملة ضد إيران، بما في ذلك فرض عقوبات تهدف إلى خفض صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر، ومنع توفير السيولة للحكومة الإيرانية.

الموقف الأوروبي من الاتفاق متناقض في جانبين، سياسي واقتصادي، فعلى الجانب السياسي تصرّ أوروبا وتحديداً الدول الموقعة على الاتفاق بريطانيا وفرنسا وألمانيا على تبرير موقفها من البقاء في الاتفاق؛ لحماية أمن المنطقة من أي كارثة متوقعة، وذلك في إشارة إلى حرب محتملة مع طهران، إلى جانب منع سباق التسلح النووي في المنطقة التي لاتزال غير مستقرة على أكثر من صعيد، وعلى الرغم أن التبرير الأوروبي يبدو دبلوماسياً، إلاّ أن الواقع يكشف أن السلوك الإيراني لايزال مهدداً لأمن المنطقة حتى بعد توقيع الاتفاق 2015، ومازال مستمراً في دعم الإرهاب وجماعاته، وكان آخرها الكشف عن عملية إرهابية كانت وشيكة لتفجير مقر اجتماع مجاهدي خلق قرب باريس، وتورط دبلوماسي إيراني في محاولة الاعتداء، ثم إن الاتفاق لم يمنع إيران من مواصلة برنامجها النووي، وخرق كثير من بنود الاتفاق، من خلال العمل السري في المفاعلات النووية.

وعلى الجانب الاقتصادي تبدو أوروبا أكثر تناقضاً؛ فالمصالح التجارية لشركاتها مقدم على مصالح شركات آسيوية وأفريقية أخرى، والدليل أنها تبحث استثناء شركاتها من العقوبات الأميركية أكثر من التزامها بمصالح إيران مع شركات أخرى خارج أوروبا، وهو ما يعطيها فرصة أكبر على الاستحواذ في السوق الإيراني، وربط مصالح إيران الاقتصادية بها.

الرئيس الأميركي اختصر كل ذلك الحراك الأوروبي وأعلن بوضوح أن أي دولة أو شركة أوروبية ستتعاون مع إيران لن تنجو من العقوبات التي لن تستثني أحداً، ولن يُسمح لها أن تخالف سياسة واشنطن في التصدي للخطر الإيراني، وبالتالي فإن الحديث عن الموقف الأوروبي من الاتفاق لن يستمر طويلاً، حيث ستضطر دُوله إلى الخروج تباعاً منه؛ لأن العقوبات الأميركية أقوى من أن تتحملها أوروبا وشركاتها التجارية، ثم إن المصالح في لغة اليوم تنحاز للأقوى، ولا يوجد من هو أقوى من أميركا في العالم.