تتألق تجربة الفنانة الأميركية «تاريان سايمون من مواليد العام 1975، والتي طورت في أعمالها التركيبية مضموناً يجمع بين الفن البصري والنص الأدبي، وذلك في محاولة للخلوص لمعنى الفن في حياتها، لذا فإن الاطلاع على أعمالها هو أشبه بالعثور على كوة سرية ينفذ منها المتلقي لكشف هذه الحيرة التي تنتابها، حيرة يثيرها ويؤججها بلا هوادة غموض الحياة بل ولذتها ووجعها، هذه اللذة والوجع المضمر في كل لحظة من لحظات الوجود في الجسد وعلى الأرض، في هذا الواقع المادي المحفوف باللامادي، بل والمسكون باللامادي، الفن بالنسبة لتاريان سايمون هو فعل مواجهة للوهم الذي نضخمه فيما نسميه الحياة، هذا التضخيم للأشياء الصغيرة وللمعارضات الصغيرة التي تلقيها الحياة في طريقنا التي لا يكشف تفاهتها إلا الموت، لذا فإن أعمال سايمون تقدم تلك التوافه بشكل عملاق، إنها العملقة التي يسببها وسواسنا بالكمال، فنحن نأبى أن نظهر على حقيقتنا الفانية والمحفوفة بالصغائر والعيوب، نأبى أن نواجه عيوبنا بأمل أن نظهر كعمالقة للآخرين، هذه العملقة تفضحها تاريان سايمون في أعمالها، فمثلاً العمل المسمى علبة كبريت، هذا القفص الصدري المحشو بما هو قابل للاشتعال، وعلى العلبة قصيدة تذكرنا في اختزالها بالقصائد اليابانية المسماة « الهايكو haiku»، تقول:

«كلما مرت معشوقتي سقط من أضلعي رماد».

مرور المعشوقة الذي يوقد تلك الأضلع الممثلة بأعواد الكبريت، مرور هو الموت يحرق بارود العاشق ويحيل أضلعه لعدم.

علبة الكبريت هي مثال بسيط من أعمال تاريان سايمون، والتي توقف المتلقي في مواجهة مع إنسانيته، هذه الهشاشة الممزوجة بالقوة والعنفوان، الرسالة التي تريد سايمون إبلاغها لنا هي باختصار: «أن تكون بشراً فهذا يعني ابتعادك عن الملاك، أن تكون بشراً فذلك يعني قبل كل شيء الضعف، القدرة على اقتراف الخطأ والصواب، إذ من رماد الخطأ ينبعث الفينيق، ذلك الطائر غير القابل للاحتراق. هذا الكائن الأبدي، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال بلوغ الأبدي ما لم نعبر الزائل والفاني، هذه الأجساد والنفوس القادرة على التدمير والقابلة للدمار، التفاحة التي تدلت لآدم في كمال الفردوس».

أعمال تاريان سايمون هي أشبه ببحوث حثيثة في حقيقة الوجود والفناء، إنها أعمال تبحث عن الوزن الخفي للأسرار والصراعات النفسية والمفارقات البشرية، ولذا تثير تلك الأعمال الكثير من الاهتمام وتشارك في معارض تنظمها المتاحف بأنحاء العالم، وليس آخرها المعرض الذي نظمه متحف «الجو دوبوم The Jeu de Paume» في باريس والذي هو أشبه بمعرض بانورامي لمجموع أعمال سايمون منذ العام 2000. هذا المعرض الذي لا يزال يستقطب الزوار والمهتمين بالتصوير كمادة حيوية في الأعمال المفاهيمية التركيبية.

تجربة تستحق الوقوف.