من أهم وظائف الثقافة أنها تخفّف من غلواء النفس واحتداماتها وأمراضها العديدة، ففضلاً عن مساهمتها في هيكلة الفكر وانبنائه وتشييد معارفه فهي تهذّب السلوك الجانح وتقضي على التوحّش داخل الإنسان.

ورغم الجدل حول الثقافة وتعريفاتها وأدوارها وإيلاء البعض لها الأهمية القصوى فيما يعتبرها البعض أمر هامشي لا طائل منه؛ ويتعامل معها بتوصيف ازدرائي فإنها تظل محتفظة ببعديهما الأنطولوجي والوظيفي.

ومن الجهود العلمية والمعرفية التي تؤصّل للثقافة وعلاقتها بالطبيعة الإنسانية، نصوص فلسفية مترجمة أعدّها الباحث محمد مهاوي؛ إذ يستهلّها بتقديم رصين يشير فيه إلى الجانب الطبيعي الذي اجتمع في تعريف الإنسان وهما معطيان أساسيين: الطبيعة والثقافة؛ الأول إلى المعطى البيولوجي فيه، بينما يحيل الثاني على مجموع العناصر والمكتسبات التي يتلقاها من الآخرين والمجتمع. على هذا الأساس يلفت الباحث إلى أنه يمكن القول بأن الإنسان «كائن بيو ثقافي»، م ادام أنه من جهة: يملك خصائص عامة ومشتركة وقارّة، لازمته منذ وجوده على الأرض؛ ومن جهة ثانية فهو كائن اجتماعي يصعب عليه العيش من دون ملازمة أفراد آخرين. ينتقل بعدها ليؤكد أن الطبيعة والثقافة تشكل وحدة متناغمة، إذ بالرغم من اختلاف مرجعيهما فإنهما قلما يخلقان صراعا داخل الذات الحاملة لهما؛ ويرجع ذلك إلى أن الجانب الطبيعي جانب غريزي حيواني، يحتاج إلى تعاليم وقواعد كي يغدو لطيفا ومهذبا، أضف إلى ذلك أن الثقافة بما هي ضوابط واشراطات، ليست عنصرا يملي على الإنسان كرها؛ بل إنها بمثابة قواعد وضعها الإنسان نفسه من أجل حماية نفسه من كل الأخطار التي قد تحدق به، وبهذا المعنى يعتقد بهاوي أنه يمكن الذهاب إلى أن تحقق الإنسانية مرهون بتعديل وتكييف الجانب الطبيعي في الإنسان، والعمل بذلك على التقريب بين الناس بدل الإبقاء عليهم متصارعين وأنانيين ومتوحشين.

وعن الطبيعة والثقافة والتقائهما وجهاً لوجه يلفت نظرنا كلود ليفي ستروس إلى تلك التجاذبات بينهما ومقاومة المجتمعات للتطور ويستشهد بمثال على تلك الممانعة بقوله: عرفت أقواما من جامعي الحبوب البرية يلمون بتقنيات جيرانهم الزراعية؛ ولكنهم رفضوا استعمالها في إنتاج غذائهم الأساسي (الأرز البري)، الصالح جدا للزراعة، لأنه من المحرم عليهم «جرح أمهم الأرض». في مثل هذه الحالات يتعلق الأمر بأفضلية مبدئية للطبيعة على الثقافة، عرفتها حضارتنا أيضا في الماضي، وتصعد أحيانا إلى السطح في فترات الشك والأزمات، ولكنها في المجتمعات المُسمّاة «بدائية» تطرح نفسها على أنها منظومة معتقدات وممارسات مكينة جدا.

ويقدر ليفي ستروس أن نضج تلك الثقافات ورشدها هو أظهر من أن يحتاج إلى التشديد عليه؛ ولكن ضغط المبتسرات والأحكام المسبقة فعل فعله فصرف الأنظار عن الحقائق وشوه الوقائع، وأهم تلك المبتسرات وأعتاها الظن أن التدني في المعيش تدنيا ثقافيا، مما حدا بالانثربولوجيا الكلاسيكية إلى تصوير الإنسان «الوحشي» على أنه ذلك الخارج لتوه من الحالة الحيوانية، والرازح تحت نير غرائزه ورغباته.