القبيلة ككيان اجتماعي، ظهرت مع ظهور الإنسان، حيث كانت تمثل حاجة ملحة وطبيعية للوجود البشري، وما يقتضيه من متطلبات، أبرزها الحماية والغذاء، ولم تكن التجمعات البشرية الأولى أكثر من مجموعات أسرية مغلقة على نفسها، تتبادل المنافع والعلاقات الاجتماعية فيما بينها، وبتوسعها وتمددها وتطور الحاجات البشرية تجاوزت مجرد حاجة البقاء والتكاثر إلى حاجات أخرى أكثر بعدا تجريديا، مثل المجد والسلطة والتنافس، فبدأ الصراع ينمو بين التجمعات البشرية، وبدأت الحاجة تتبلور أكثر للانتماء إلى مجموعات أكبر عدداً لتحقيق أكبر قدر من متطلبات الحياة المادية والمعنوية، ومن هنا بدأت تتشكل الخيوط الأولى للقبيلة، ويمكن القول إن التاريخ البشري قد عرف التجمع القبلي مبكراً وفي شتى أنحاء المعمورة؛ حيث لم تكن القبيلة ظاهرة آسوية وأفريقية كما يعتقد البعض، بل كانت ظاهرة في كل العالم.

قامت القبيلة - وما زالت تقوم- في بعض المجتمعات الراهنة بأدوار اجتماعية وحضارية في غاية الأهمية، ولها مكانتها المعتبرة في سلم الإنجازات التاريخية، ولقد تعامل الإسلام مع القبيلة كمُعطى تاريخي له إيجابيات كبرى، ووظف ذلك في خدمة أفراده؛ حيث جعل (العاقلة) عليها، وأحيا في إطارها قيم التكافل الاجتماعي، ونظم آصرة الرحم، وأنشأ لها حقوقاً في الميراث والزواج، ومع هذا كله سعى للتخلص من السلبيات المرافقة للمفهوم القبلي، ممثلة في النسب والتفاخر به والتنافس من أجله، وسمى تلك القيم بدعوى الجاهلية، وحاول الإسلام في عهد النبوة إعادة ترتيب العلاقات الاجتماعية، وتحديد مقومات الكفاءة الاجتماعية التي كان يدور حولها الفعل الاجتماعي في محيطه القبلي، فجعل الدين من أهم دعائمها وليس النسب، فكانت القبيلة في ظل الدولة الإسلامية مجرد وعاء اجتماعي لتنظيم التواصل والتعارف بين الناس.

في الدول المستقرة والكيانات السياسية الكبيرة كالمملكة العربية السعودية؛ لا يتناقض المكون القبلي مع الولاء للوطن إن كان مبنياً على ترابط أسري ومعرفي فقط، فالوطن أولاً والقبيلة لا تعدوان أن تكونا ترابطاً أسرياً كبيراً يصب في صالح خدمة الوطن وتطوره، ومن ثم فإن تجاوز ثقافتها السلبية لا يمكن أن يتأتى إلا عبر قوانين للدولة تُلغي سلطة القبيلة لتحل سلطة الدولة بديلة عنها، ونشر ثقافة واعية في المراحل التعليمية تُعلي من شأن الدولة والانتماء الوطني، وتضع القبيلة وثقافتها بشكل عام في إطارها الشرعي والتاريخي، وإيجاد إدارة للتكافل الاجتماعي عبر جمعيات مدنية خيرية واجتماعية تشرف عليها مؤسسات رسمية ومدنية تسعى لمساعدة المحتاجين ومؤازرة الفقراء وأصحاب الحاجات الخاصة. يقول غازي القصيبي: الوطن هو رغيف الخبز والسقف والشعور بالانتماء والدفء والإحساس بالكرامة.