من يتابع محتوى الإعلام المضاد تجاه المملكة يجد أن التركيز على ردة فعل الجمهور، وليس على توعية الجمهور، وبالتالي علينا أن ندرك الفارق بينهما أولاً، ثم نعيد ترميم العلاقة بين الجمهور والسلطة التنفيذية على أساس من الثقة التي هي أساس الشراكة بينهما

مارست السلطة التنفيذية في المملكة منذ عقود طويلة مهمة توعية الجمهور تجاه كثير من القضايا والظواهر المثارة على أكثر من صعيد، ونجحت إلى حد كبير في ترجمة تلك الجهود إلى منصة وعي ينطلق منه المجتمع في مراحل التقييم والتقدير والمراجعة والتدقيق قبل اتخاذ أي قرار، أو ممارسة أي سلوك خاطئ.

وتواصل الجهات الحكومية مهمة التوعية في أكثر من مجال، حيث تتكأ على أنظمة ولوائح وتعاميم لضبط السلوك، حيث يمثل جانب التوعية أحد أهم واجباتها تجاه الجمهور، واستثمرت في ذلك وسائل الاتصال الحديثة لتطوير محتوى رسالتها الإعلامية، وسرعة تعميمها، وانتشارها، والتفاعل مع ردود الفعل تجاهها.

اليوم برز في المجتمع السعودي توجهاً جديداً يفرّق بين توعية الجمهور والوعي بردة فعل الجمهور من القضايا المثارة، وهو ما يعني أن الجمهور لم يعد سلبياً في تلقي الرسالة الإعلامية، أو تابعاً لها، وإنما أصبح بما يملكه من وسائل اتصال واعياً وفاعلاً في استيعاب محتواها، ومؤثراً في الرد عليها، أو بمعنى آخر أكثر عمقاً ووضوحاً لم يعد الجمهور ينقصه الوعي على الأقل بالقدر الذي كان عليه الأمر قبل عقد من الزمن أو أكثر، وإنما يحتاج لمن يعي ردود فعله في هذا التوقيت، ويأخذ بها، ويلتمس منها سبيلاً للاحتواء والتسوية معه بعيداً عن أي تأزيم، أو استفزاز، أو تصنيفات ليس لها مبرر.

الدولة منحت السلطة التنفيذية صلاحيات عمل كبيرة، وأنفقت على مشروعاتها ومبادراتها وخططها الكثير من الأموال، والجهد أيضاً في رقابة الأداء والالتزام، والهدف واضح ومعلن وهو خدمة المواطن بما تحمله هذه الكلمة من معنى، وتهيئة كافة السبل لتحقيق طموحاته، وتعزيز مشاركته، ويكفي أن تكون سياسة الباب المفتوح أحد أهم مرتكزات العلاقة بين القيادة والمواطن.

ورغم تلك الجهود، إلاّ أن هناك بعض المسؤولين في السلطة التنفيذية –وليس الكل- من يخفق إعلامياً في احتواء ردود فعل الجمهور، والتعامل معها على أنها وجهة نظر تقتضي الرد، أو حق يقتضي الانصاف، وبالتالي هذا الإخفاق يزيد من حالة الاحتقان والتأزيم التي يُفترض أن لا تصل إلى هذا الحد، أو تتطور إلى أزمة لسنا بحاجة لها، والهاشتاقات التي تخرج علينا كل يوم نموذج لذلك الاحتقان، والأسوأ حين لا يوفق المسؤول أو المتحدث الرسمي لجهة ما في الرد على ما يثار، ويحولها عن جهل أحياناً إلى قضية رأي عام.

من يتابع محتوى الإعلام المضاد تجاه المملكة يجد أن التركيز على ردة فعل الجمهور، وليس على توعية الجمهور، وبالتالي علينا أن ندرك الفارق بينهما أولاً، ثم نعيد ترميم العلاقة بين الجمهور والسلطة التنفيذية على أساس من الثقة التي هي أساس الشراكة بينهما؛ لأن ما ينتظرنا من مستقبل وطموحات أكبر من أن يؤزمها مسؤول ما زال يرى الجمهور تابعاً وليس مستقلاً أو مؤثراً في ردود فعله.