وهل يوجد في النميمة جمال في أي مكان أو مجال؟! والجواب نعم! .. 

إنها نميمة النسيم حين يهبُّ على الرياض اليانعة، والزهور النائمة، والطيور الكسلى، فيبعث فيها النشوة والحياة، وينقل لنا أزكى الروائح وأعذب الألحان.. إنه نسيم النعيم الذي إذا هبّ على الأشجار تمايلت في دلال، وإذا داعب الزهور فاحت بأزكى الروائح، وتفتّحت أكمامها، وباحت بأريجها وشذاها، وإذا هبّ على الطيور ترنّمت على الأغصان، ورفّت بأجنحتها جذلى، وأمتعتنا بأعذب الألحان. 

 لو توقّف النسيم تماماً عن أي خميلة جميلة أو بساط من العشب أخضر، أو غدير رقراق، أو روضة غنّاء، لتجمّدت المناظر في الرياض والحدائق، وتحجّرت الورود والخمائل، وخبت أزكى الروائح الزهور، وصمتت أعذب أصوات البلابل، وتوقفت الفراشات عن القفزات من شجرة لشجرة، ومن زهرة لزهرة، وصار الغدير خاملاً خامداً كأنّه في موات. 

نسيم النعيم يحمل لنا أجمل النمائم إذا هبّ على البساتين والخمائل، وبعث الحيوية والنشاط، وبث الفرح والابتهاج في الحياة و(الأحياء والأشياء).. ونسيم السّحَر خاصة، له رقّة بالغة حين يداعب الوجوه، ويلاعب الطيور والزهور، ويحرّك الغدران والأغصان، فيملأ الخلايا والحنايا بأطيب الطيوب وأجمل الجمال، وقد أجاد ابن الرومي في وصف النسيم: 

هبّت سُحَيْراً فناجى الغصنُ صاحبَه ** مُوسوِساً وتنادى الطير إعـلانا

وُرْقٌ تَغَنّى على خُضْرٍ مُــهَدّلةٍ ** تسمو بها وتشمُّ الأرض أحيانا

تَخالُ طائرَها نشوانَ من طـربٍ ** والغصنَ من هزّه عطفيه نشوانا

وقال أيضا:

كأنَّ نسيمها أرج الخزامى ** ولاها بعد وسميّ وليُّ

هدية شمأل هبَّت بليلٍ ** لأفنان الغصون بها نجيُّ

إذا أنفاسها نسمت سُحيراً  **تنفّس كالشجيِّ لها الخليُُّّ

وله كذلك:

قد صفا الجو واستحال نسيماً **  وتَنَدَّى الهواءُ فهو يموعُ

وجسّد ابن المعتز نميمة النسيم على جمال الغدير في بيت واحد:

غديرٌ تُرجرج أمواجَهُ .. هبوبُ الرياح ومرُّ الصَّبا