كنت في زيارة لأدنبرة، عاصمة أسكتلندا المعروفة بجبالها الساحرة، وريفها المبهر، وكانت الفرصة لتلبية دعوة عدد من الطلاب المبتعثين هناك، الذين نفتخر بهم وبإنجازاتهم، ونعلق عليهم آمالنا ومستقبلنا، وننتظر عودتهم بفارغ الصبر لنقل تحصيلهم العلمي وتجاربهم، ولنطويَ بمعيتهم عشرات السنوات ونلحق بالعالم الأول.

كنا تقريباً خمسة ضيوف، ومضيفنا الطالب المبتعث في تخصص هندسة البترول د. مسفر المري، يرافقه عدد من المبتعثين، وكان الحديث عن الوطن ومستقبلهم في الوطن، حتى وصلنا لتخصص مضيفنا الذي أغدق علينا بعلمه، وشرح تخصصه حتى لم نعد نعلم ما يقول ولا ما يقصد ولا بماذا نختم ولا عمّ نسأل؟.. تدفقت المعلومات يتحدث عنها وكأنها أخبار كرة قدم، أو نتائج مزاين إبل.. نفط في نفط، وتخصص داخل تخصص، واكتشاف يجره اكتشاف.. ونحن لا نجد ما نضيفه للطالب ولا ما نحفظه من تخصصه!.

كيف لمن يعيشون على النفط، وفوق النفط، ومن النفط ألا يعرفوا عنه إلا ارتفاعه ونزوله؟.. بل كيف لتخصص مثل (هندسة البترول) ومشتقاته ألا يكون هو التخصص الأول في جامعاتنا والوجهة الأولى لطلابنا، وتمرنا وخبزنا ونشيد صباحنا!!

هل لدينا ما هو أهم من النفط يستحق أن «ندعو له بطول العمر».. كما قال الملك عبدالله بن عبدالعزيز - رحمه الله - لعدد من الوزراء.. وهي حكاية امتنان خالدة لن ننساها.

النفط لم يعد سلعة تباع وتشترى، بل تحول إلى سلعة إستراتيجية في قضايا الأمن القومي والدولي والقرار العالمي.. وعندما أقول إننا لا نعرف الكثير، فأنا لا أعني الجوانب العلمية والتقنية فحسب، بل أعني الأساسيات المتعلقة باستخراج البترول وصناعات التكرير، والبتروكيميائيات.. ولو استفتينا 90 % من طلاب المدارس فسنجد أنهم مثلا لا يعلمون متى بدأ استخراج النفط؟.. ناهيك عن معرفة احتياطي المملكة من النفط والغاز، ومكامن النفط، وطريقة الاستخراج والتكرير، وعالم الصناعات البتروكيميائية، التي تُعرف بها المملكة العربية السعودية، وغيرها من الأسئلة التي من المفترض أن تكون أسئلة بديهية في البلد رقم «واحد» في عالم النفط، ليس لحملة البكالوريوس والدراسات العليا بل أيضاً لطلاب المراحل الدراسية الابتدائية.

ويأتي الخلط العجيب عندما تشاهد من يسمي نفسه بـ»المحلل الاستراتيجي» يتحدث عن توجه المملكة لـ»الاستغناء عن النفط»، بينما الرؤية تتحدث عن تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على صادرات النفط.. ولا يمكن أن تطرح التخلي عن مصدر دخل المملكة الرئيس للتفرغ لمجالات جديدة، حيث تميزك الدولي كشريان للطاقة لا غنى عنه لتلبية احتياجات العالم لعقود قادمة.

أقول ذلك وأنا أعلم أن غالبيتنا لا يعرف «الغوار ولا السفانية».. أكبر حقل بري، وأكبر حقل بحري في العالم!.