لا يغرب عن البال حضارة الممالك العربية "مملكة الأنباط حتى مملكة كندة"، قبل الميلاد وبعده، واضعة أساسات الزمان العربي ومكانه.

تمثلت من بين ما تمثلت الحالة العمرانية، في القصور والحصون، والأسواق والمعابد، وطرق القوافل، وعتاد جيوشها، والحالة الإنسانية، في قوائم الملوك، وسجلات كهانها، وألسنة خطبائها، وأوتار شعرائها، والحالة الاجتماعية، بسكانها من الشعوب، ورُحّالها من القبائل، ومستوطنيها من الجماعات، وعلى حوافها المرتزقة، إذ تركت شواهد عدة، يستدل بها على التراث الثقافي المعنوي والمادي.

من شواهدها أسواقها، وسوق عكاظ واحد من عشرين سوقاً تتوزع على مناطق عدة، في الجزيرة العربية، بعضها مُحي وبعضها الآخر شاخص.

ذكرت الأسواق في متون عربية، ذكرها إخباريون ومؤرخون وجغرافيون، مثل: محمد بن حبيب، واليعقوبي "التاسع الميلادي"، والهمداني "العاشر"، والتوحيدي والمرزوقي "الحادي عشر" وابن الجوزي "الثالث عشر".

تجري في تلك السوق، صناعات، ومنتجات، ألبسة وأسلحة، وعطور وبرود، وصهيل فرسان، ومنافرات شجعان..

إذ يحق لمجتمعات تلك الممالك العربية، أن ترفّه عن نفسها في ذلك الاحتفال فتلتقي بأبناء العمومة الأبعدين، وأغربة تسوقها القوافل إليهم..

صار موعداً في كل عام، احتفال بالإنسان ومنتوجاته الثقافية، قبل منتوجاته التجارية، إنه مجمع ثقافي وتجاري.

"نَـبْضُ الْعُـرُوبَـةِ -لا نَبْغِي لهَا بَدَلاً-

عَدْلاً وَمَـيْلَاً فَذَا فَرْضِي وَذِي سُـنَـنِي.."

هكذا قال أحد شعرائها المنتخب من قصيدته ما لحنه خالد الشيخ وشدا به شاديان، إبراهيم حكمي ومحمد التميمي.

وضع استعراض اعتمد على الفنون الأدائية والقولية والحركية، فضم النشيد والعرضة، والرقص، وإلقاء الشعر، والتمثيل. في أغلبه احتشاد يحتفي بالشعر.

ترن أصوات الكبار، من شعراء العربية، النابغة الذبياني، وامرؤ القيس، أبوتمام، والمتنبي، ابن سناء الملك وابن قلاقس، أحمد شوقي خليل مطران.

انسل من بين الفضاء همس التميمي:

مَا أطْيَبَ الأهْلَ فِي أرْضِي وَفِي سَكَنِي

هُمْ نُوْرُ عَيْنِي وَهُمْ نَبْضِي وَهُمْ سَكَنِي

إِنْ أَثْمَرَ الحُبُّ نَهْراً.. قُلْتُ: فَـيْضُهُمُو

أوْ أمْطَرَ القْلْبُ شِعْرَاً صِحْتُ: ذَا وَطَنِي!

ومن بعدها، يكرّ موشور من الأداء، تتداخل فيه الأصوات حكمي والتميمي، ما بين علو فج، وانخفاض منعم..

"وَالْأَسْرُ لَا تَقْبَلُ الْأَرْوَاحُ غُرْبَـتــَهُ

إلَّاكَ فِـي الْحُبِّ.. تُرْضِينِي وَتَغْمُرُني

يَا آسِرِي فِـي هَوَاكَ الْقَلـْبُ مُرْتَهَنٌ

يُدْنِـي لِمـَنْ شَاءَ حُسْنَاً غَيْرَ مُرْتَهَنِ..

وفي لوحة أخرى، على قيادة طلال سلامة، تتوالى الأصوات، في استعادة نصوص مجسات "مواويل حجازية"، لبديوي الوقداني وأحمد شوقي وإبراهيم ناجي وحمزة شحاته..

سفينة من الشعر، أطلقت نغمها في عكاظ.