جلس والخوف بعينيه، يتأمل وضع حياته المقلوب، قائلاً: أنا رب مملكة عظيمة أركانها أربع زوجات، القديمتان تقومان بأعمال المنزل، والصغيرتان مدرستان تتوليان الصرف على احتياجات البيت.

بناتي الكبيرات يعملن من المنزل، ويصرفن على احتياجاتهن وإخوتهم الصغار.

ويزيد بألمعية: أحضرت لأبنائي الكبار ثلاث سيارات لتوصيل الحريم، وقسمت أقساطها على زوجاتي وبناتي.

ويتأفف: وتسكن معنا عمتي المطلقة، وأختي العانس، التي لم أوافق على تزويجها في شبابها، خوفاً من طامع في إرثها.

وتلمع عينه بالحسرة: كنت طوال السنوات الماضية رب الأسرة المسؤول المطاع المهاب الجانب، وأعلق الخيزرانة ترهيباً لمن يعصى، ولا أدري كيف تبدلت الأوضاع مؤخراً، بتسرب مفهوم حقوق المرأة إلى بيتنا، فأصبحت أسمع بأذني مناقشات واعتراضات على ألسنة زوجاتي وبناتي، وقد بلغ الجنون ببعضهن لمطامح نيل المسؤولية عن أنفسهن، وامتلاك رخص قيادة وسيارات، وتهميش قيمة المحرم، كما أني أصبحت أشهد مماطلة زوجاتي وبناتي في دفع ما تعودن على دفعه.

ويكمل: وشر البرية أن عمتي الكهلة، وأختي لمحتا لي عن رغبتهما في إلغاء وكالتي الشرعية عليهما، والحصول على ميراثهما من والدي وجدي.

وتزداد خيبة أمله: ولأن المصائب لا تأتي فراداً تقدمت مطلقتي الأخيرة بطلب للمحكمة لتعديل نفقتها وابنها.

ويلتوي بحسرة: في الزمن الماضي لم يكن أحد يعارض رأيي، ومجرد نظرة زجر وغضب بعيني، تجعل المخطئة تخضع، وتعتذر وتقبل رأسي.

وتندلق قطرات قهوته على ثوبه وهو يسألني: ماذا ستعمل لو كنت مكاني؟.

فأضحك وأنا أجيبه: وضعك عجيب وحرج أيها المرتعب النموذجي من حقوق المرأة، ويستحيل تصحيح وضعك، دون إعادة صياغة مفاهيمك، وترتيب مبادئ مصداقيتك، وتعديل ظروف حياتك الأسرية، وزرع الرحمة والثقة والنقاش المثمر بينك وبين من تعولهم.

اعترف أولاً بأنك كنت بخيل ظالم تغتصب حقوق النساء بالقوة في مملكتك معتمداً على العادات والتقاليد، وأنك اليوم مجبر على إعادة الحق لأهله.

صدقني البيت، الذي لا يبنى على أسس الإنسانية والمساواة والكرامة، والاحترام المتبادل لن يعرف السعادة، وسيظل سجناً يتحين نزلاؤه الفرصة السانحة، للهروب من ضيقه.

الزجر والترهيب وتحقير قيمة المرأة لم يعد ممكناً، وعليك العودة للدين الحق، والقانون المحلي والعرف الإنساني، والمنطق، وأن تعمل على توطين الحب، والمساواة والعدالة والثقة بينك وبين من تعولهم، حتى يستمر بيتك الزجاجي دون شروخ.

المرأة في السعودية الجديدة تتغير، والنور يسود، ولا يمكن بعد اليوم أن تستمر العنصرية ضدها، ولا تجريحها وتحقيرها لفضيا، أو إجبارها وضربها وعضلها، ولا سرقة حقوقها.

والرجل العاقل يجب أن يتغير من نفسه، لتستمر في بيته العلاقات الإنسانية العائلية المحترمة، المبنية على الثقة، وإدراك الحقوق.

رجل اليوم يجب أن ينسى تيه وعنترية الأمس، وأن يبدأ السير على مسار مضيئ، مشرق، لا ظلام فيه ولا تجن.