معالجة الملف الكوري كان ضرورة، وقد جاء عقب مراجعات للإدارة الأميركية تجاه سياستها في العالم، ومنها منطقتنا، بدليل حدوث الانفراج على مستوى طبيعة العلاقة ما بين العالمين العربي والإسلامي من جهة، والغرب من جهة أخرى..

تنفس العالم الصعداء بعد انعقاد قمة تاريخية بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والزعيم الكوري الشمالي كيم غونغ أون في سنغافورة. الأصداء مازالت تتردد، وبعد مضي أسابيع كون التوتر قد أخذ يطفو على السطح في الآونة الأخيرة بسبب التصعيد الذي جرى على خلفية التطورات في ملف الكوريتين، كان ومازال هذا الملف هو الأكثر سخونة، الذي جاب العالم وحضر في الملتقيات والمؤتمرات، فما يحدث في شبه الجزيرة الكورية والتصعيد الجاري ما بين الكوريتين وما يثار عن احتمالية مواجهة نووية بعد التصريحات المتبادلة بين الزعيمين شكّل قلقاً حقيقياً وشعوراً بعدم الاستقرار، ولذا علينا أن نقدر نزوع الرئيسين للسلم بغض النظر عن انطباعاتنا وآرائنا عن سياساتهما ومواقفهما.

في هذا السياق النظام الدولي، ومنذ ثلاثة عقود لم يستقر بفعل سياسة المحاور والمشروعات، إلا أن الأجواء اليوم وبعودة مناخات الحرب الباردة تثير الكثير من التساؤلات حول مسار تفاهمات واشنطن وموسكو وانعكاسه على مخارج الحلول لأزمات العالم، ومن ضمنها الأزمة الكورية.

المتابعون أكدوا نجاح القمة، بدليل المؤشرات حول نجاحها التي اتضحت عندما أنهى ترمب وكيم غداء عمل، ليخرج الرئيس الأميركي عن البروتوكول المتبع وأطلع الرئيس الكوري على سيارته المدرعة الضخمة الليموزين الرئاسية المعروفة باسم «الوحش»، هذا الاسم أطلقته وسائل الإعلام على القمة التاريخية بين الزعيمين، اللافت أننا لم نشهد شعبوية ترمب، ولم نلمح فوضويته في سنغافورة، وفاجأنا كما هي عادته، فحديثه كان موفقاً حينما أكد أن «الشجعان فقط هم من يحققون السلام، وأن تلك القمة كان يجب أن تتم منذ وقت طويل، وأضاف أن اليوم شكل بداية لعملية جديدة جنبت العالم حدوث كارثة نووية، مؤكداً أن السلام يستحق كل الجهود، مشدداً على أن شن الحروب أمر سهل» وأشار إلى أن واشنطن ستوقف المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية، مضيفاً أنه يريد سحب قواته من الجنوب «في مرحلة ما»، وأن انتهاء الحرب الكورية سيكون قريباً. هذا المناخ يساهم في إعادة الهدوء إلى الجزيرة الكورية التي انتهت حربها بهدنة وليس بمعاهدة سلام. نزع السلاح النووي هو تكريس لأمن واستقرار العالم، الحقيقة كانت التوقعات تشير إلى حدوث مواجهات عسكرية في تلك المنطقة المتوترة، ولكن يبدو أن إدارة ترمب استشعرت حقيقة التحديات والمخاطر التي يواجهها الحلفاء التقليديون ما جعلها تقوم بتصويب للقرارات الخاطئة التي اتخذتها إدارة أوباما، والمتابع يرى أننا نعيش حالة مخاض، ويخطئ من يجزم بمسار العلاقات الدولية في الوقت الراهن؛ لأننا نعيش حالة من التشكل وعدم الثبات، صحيفة «راينيشه بوست» تساءلت: ألا يستحق ترمب وكيم من خلال عقد هذا اللقاء التاريخي جائزة نوبل للسلام؟، لا أستبعد شخصياً أن يفوزا بها وقد صنعا السلام في الجزيرة الكورية.

معالجة الملف الكوري كان ضرورة، وقد جاء عقب مراجعات للإدارة الأميركية تجاه سياستها في العالم، ومنها منطقتنا، بدليل حدوث الانفراج على مستوى طبيعة العلاقة ما بين العالمين العربي والإسلامي من جهة، والغرب من جهة أخرى، ما يعني مستقبلاً أفضل لأجيالنا القادمة، ومواجهة التطرف، وترسيخ التعايش والتسامح، وبالتالي تخفيض منسوب الكراهية للغرب، وفهم غربي لحقيقة الإسلام.

خطوات إيجابية إلا أن مناهضي العولمة يرون أن هناك قضايا يجب على واشنطن معالجتها، كالجوع والحرب والكوارث المناخية وتخفيض منسوب الفارق الطبقي ومساعدة الدول الفقيرة بإلغاء ديونها، والالتزام بنهج عالمي يقلص غازات الاحتباس الحراري، ويدعم النمو الاقتصادي ويفي بحاجات أمن الطاقة. نعيش في عالم متعدد القطبية وتحالفات غير مثالية وظرفية في أحيان كثيرة. هذه التفاهمات التي قام بها ترمب وكيم تدفع بالتهدئة بدلاً من الصراع وبمثابة عامل تغذية يعزز الحوار والأمن والسلم الدوليين، ويكرس الاستقرار، ومع ذلك قدر العالم أن يعيش على وقع التجاذب الأمريكي - الروسي، والذي كلما تم تهدئة مفاعليه ومحركاته كلما نتج عنه تعاون وأمن واستقرار عالمي.

مبادرة الزعيمين ألغت القلق بشأن نشوب حرب عالمية ثالثة، والأمل بعدم الحاجة لقرع الطبول، فالرياح التي هبت في السنوات الماضية أصبحت نسمات عليلة لاسيما بعد توفر الإرادة السياسية.