لا يكاد العالم ينتهي من تأثير لعبة إلكترونية شهيرة وإدمانها، حتى تظهر لعبة جديدة أخطر، فقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مخاطر الإنترنت على حياة الأطفال، وخاصة مخاطر الألعاب الإلكترونية التي يقوم الأطفال بتنزيلها على الهواتف الذكية والحواسيب، على غرار لعبة الحوت الأزرق، التي قادت عشرات الأطفال نحو الانتحار، وكان آخر ضحاياها الطفل عبدالرحمن الأحمري من مدينة أبها، - رحمه الله وجبر ذويه -.

لعبة «الحوت الأزرق» أو الـ «blue whale» تعد من أشهر التطبيقات التي يتداولها الأطفال، والتي صنفها بعض الباحثين بالأخطر عالمياً على حياة الأطفال والمراهقين، بعد أن يمر لاعبها بخمسين مرحلة تتمحور جميعها حول التحدي والرهانات الخطرة بعد التأثر نفسياً، والتي أسفاً خلفت عشرات الضحايا في صفوف الأطفال في العالم والدول العربية كذلك.

عامل الجذب الرئيس نحو هذه اللعبة الأخطر على الأطفال لعله يبرز في أنها تؤمّن لهم مكاناً افتراضياً يحاولون إثبات أنفسهم فيه، لا سيما لأولئك الأطفال غير المندمجين مع محيطهم، وبعد أن تشعرهم هذه اللعبة بالانتماء وبأنهم أشخاص مهمون وذوو سلطة، تنقض عليهم نحو الهاوية!.

وبكل أمانة، وصول «ثقافة الانتحار» إلى الأبناء لهو مؤشر خطير يكشف مدى ابتعاد الأسرة عن مراقبة ومتابعة أولادهم، بدليل اندماج أولادهم مع هذه اللعبة فى خمسين خطوة دون أن يعلموا بذلك.

مثل هذه «الألعاب» تكشف عن بعض الخلل الذى أصاب مجتمعنا خصوصاً في الجانب التربوي في ظل انشغال الآباء بمستلزمات الحياة وترف زمننا المتسارع، لنجد الأب والأم خارج المنزل طوال اليوم، والعمل لعدة ساعات مع إهمال الوظيفة الأساسية الأهم، وهي تربية أبنائهم ومتابعتهم مع زرع القيّم بداخلهم.

أعتقد أن واجب الأسرة مهم جداً جداً، بدءاً من أن يحموا أطفالهم، يتحاورون معهم، لا يتركونهم يبحرون في عالم الإنترنت بمفردهم لأوقات طويلة، يرافقونهم في اكتشاف الألعاب الإلكترونية، دون التوغل في مراحلها المختلفة.. مع ضرورة تنظيم الوقت وعمر الطفل فيما يتعلق بحصوله على الهاتف، واستعماله للإنترنت أمر مهم، مع الوعي بآفة العصر «الإدمان الإلكتروني» ومخاطره على عقلية ونفسية الطفل وإدراكه.

الحلول لا تقتصر فقط على حماية الأطفال من براثن هذه الألعاب التي تهدد سلامتهم، وتؤدي بهم إلى التهلكة، وليس على الأسر فقط، وإنما تشمل «منظومة» تكاملية وجب عليها أن تتدخل لحماية الأطفال من بينها: وزارة التعليم، والشؤون الاجتماعية، والإعلام، والثقافة، وهيئة الأمن السيبراني، والصحة.. مع ضرورة توفير اختصاصيين نفسيين واجتماعيين لمعاينة سلوكيات الناشئة وحمايتهم من مخاطر الألعاب الإلكترونية، والعالم الافتراضي وغزوهما، وباختصار.. حتى لا نخسر المزيد من أطفالنا.