(كأس العالم) أصبح بمثابة عرس أممي يتكرر كل أربع سنوات.. تنسى خلاله شعوب الأرض خلافاتها الدائمة وتستبدله بجو من الفرح لا يقارن بأجواء الكآبة والإحباط التي تسببها مكائد السياسة والاقتصاد..

قررت كتابة هذا المقال حين طرحت على نفسي هذا السؤال: لماذا أحب كأس العالم وأنا الذي لا أتابع حتى الدوري المحلي؟

اكتشفت أن متابعتي لهذه المناسبة لا تـعود فقط للمهارات الرياضية الجميلة، بــل لوجود معانٍ راقية في التقاء المنتخبات الوطنية ذاتها.. اكتشفت أنني أحب كأس العالم؛ لأنه يجمع أمم الأرض ضمن مناسبة سلمية لا قتل فيها ولا دمــار.. لأنه يلبي رغـبتنا البدائية في الغلبة والتفوق دون أن يضر فعلاً بالطرف المهزوم.. لأنه يمنح البشر فرصة التعارف والالتقاء دون الحاجة للغة مشتركة غير قوانين كرة القدم.. لأنه يُـنهي (ولو مؤقتاً) مظاهر التناحر الوطني والعقدي ويستبدلها بمظاهر التسامح والمحبة (وشاهدنا كيف اعتذر لاعبو البرتغال للاعبي المغرب عن هزيمتهم غير المستحقة).. لأنه المناسبة الوحيدة التي تلتقي فيها دول وشعوب تفصل بينها مسافات هائلة ومحيطات شاسعة (فـأين يمكن أن تلتقي اليابان بـكولومبيا، أو أستراليا بـالبيرو في غير كأس العالم)!!

... أيضاً أحب كأس العالم؛ لأنه يـظهر الوجــه الراقي والجميل للشعوب والثقافات.. الجماهير اليابانية مثلاً مازالت تقدم دروساً في النظافة والشعور بالمسؤولية (وعدم المغادرة قبل تنظيف المدرجات).. والجماهير الكولومبية توزع الورود وترفع أعلام الدول التي تلعـب ضدها.. والمكسيكيون تظاهروا بالورود أمام السفارة الكورية (في المكسيك) تعبيراً عن شكرهم لمنتخب كوريا الجنوبية الذي فاز على ألمانيا وأتاح لهم فرصة التأهل للجولة الثانية.. حتى الروس (الذي عانيت من جلافتهم قبل ثلاث سنوات) أصبحوا لطفاء ومبتسمين ولا يترددون في خدمة الزائرين..

... ومن جهة أخرى؛ لا ننسى أن 102 لاعب مسلم ساهموا بتعديل النظرة للإسلام (في كأس العالم الماضي حين كانت مذابح داعش على أشدها) ومايزالون اليوم يساهمون في إظهار الوجه الإيجابي للمسلمين..

شعبية الإسلام في أميركا ارتفعت بفضل بطل الملاكمة (محمد علي كلاي) الذي رفض المشاركة في حرب فيتنام بحجة أن دينه يمنعه من قتل أشخاص لم يؤذوه.. ونفس الظاهرة تحدث اليوم على مستوى العالم مع اللاعبين المسلمين المشاركين في كأس روسيا 2018.. محمد الشناوي حارس المنتخب رفـض مثلاً استلام جائزة (أفضل لاعب) لأنها مقدمة من «شركة خمور» معروفة..

واللاعبون المسلمون في المنتخبات الفرنسية والألمانية والبلجيكية ساهموا في الحد من مشاعر العنصرية وكـره الديانات الأخرى في أوطانهم.. محمد صلاح ساهم لوحده في تغيير نظرة الإنجليز للمسلمين بمستوى يفوق تأثير النجم الأسود سيريل ريجيس الذي غير نظرتهم العنصرية للسود (بفضل نتائجه المذهلة في المنتخب الإنجليزي).. شاهدت على اليوتيوب مقطعاً لمشجعي ليفربول يغنون فيه لمحمد صلاح: «ما هو جيد بالنسبة لك جيد بالنسبة لي، إذا استمريت بالتسجيل سأذهب معك للمسجد، وإن حققت البطولة سأصوم معك رمضان»...

باختصار شديد أحب كأس العالم؛ لأن التنافس الرياضي الشريف قادر على التقريب بين الشعوب والقلوب والأفكار والمعتقدات.. يفعل ذلك دون التسبب بهزائم مؤذية، أو انتصارات ظالمة، أو أحقاد يعجز عن محوها التاريخ.. وسواء اتفقت أو اختلفت معي قارن بنفسك بين مكاسبنا (نحن) من ظهور محمد صلاح ومحمد علي كلاي، وبين مكاسبنا من وجود القاعدة وداعش والميليشيات الطائفية.