من الموروث الثقافي الذي تفخر به دولة مالي نتاج المصور «سيدو كييتا»، هذا العبقري العصامي المولود عام 1921 والمتوفى عام 2001، والذي علم نفسه حرفة التصوير وحقق نجاحاً كمصور ذاعت له شهرته مابين الأعوام 1940-1960، هذا ويرجع تفوقه للصور التشخيصية «the portraits» المذهلة التي التقطها لمواطنيه والتي تعد مثل سجل تاريخي فني، لوحة فسيفساء تمثل الملامح المميزة لوجوه الماليين وأزيائهم والأنسجة التي تميز تلك الحقبة من تاريخ مالي.

المدهش هو تحقيقه في الصور التي التقطها المعادلة المستحيلة في الإبداع ألا وهي البساطة والعمق، جمع مالا يتوقع جمعه في الأخيلة التي أخرجها للوجود، فلقد صور في محترفه الأشخاص في أزيائهم التقليدية الفريدة بألوانها وطبعاتها التقليدية، ليس الثياب فحسب وإنما أيضاً التقطهم على خلفيات من أنسجة تقليدية مذهلة في تنوع خرائطها وأنماطها وتشكيلاتها، والمفاجأة في عمله هذه الجرأة في جمعه بين التشكيلات المتناقضة والتي تبدو غير منسجمة، لكن اللا انسجام هذا هو ما يصوغ صورة مذهلة في إبداعها، جرأته تخلق انسجامها وتناغمها الخاص، لكأنما يتعمد استحضار شخوص من عوائل أو أزواج ويقحمهم كما في صراع جمالي مع الخلفيات، يترك لهم الضلوع في الحبكة وذلك باختيار ثيابهم وتصميماتها الحرة، بحيث يتنافر الشخص مع الخلفية وفجأة يحدث كما الإنقلاب بحيث وبحيلة لاتدركها غير عين الفنان فجأة تذوب الخلفية في الشخص ويذوب الشخص في الخلفية وينحبك جمال وحميمية وتألق غير متوقع، مثل حقل من التقليمات والنقاط والتفرعات عريضها ونحيلها صارخها وباهتها، إنه عالم مجنون لايعبأ بالقوانين الفنية الموضوعة، يكسر مفهوم التناسق والجمال ليخلق جماله الصاعق الخاص، لغة بصرية خاصة بسييدو كييتا تجعل من لوحاته مهرجاناً أو رقصات للتشكيلات سواء في وجوه البشر أو تعبيرات أجسادهم أو ثيابهم أو الخلفيات التي يختارها لتصويرهم، وكامل ذلك المهرجان وتفرعاته اللا نهائية تتشكل بين جدران الأستديو الخاص به حيث أنجز كامل ذلك السجل الإبداعي الضخم حين صار الجميع يتطلع للظفر بفرصة أن يستضيفه الفنان ويلتقط له صورة، صارت عدسته مطلباً لأبناء جيله ليقفوا أمامها وتعيد إخراجهم في حبكة من حبكاته المدهشة والتي خلدتهم وأخذت تلفت الأنظار إليه عالمياً كرائد من رواد فن البورتريه ابتداء من التسعينات وعلى مر السنين وحتى وقتنا الحاضر، حيث تنتشر أعماله في متاحف العالم، ولقد قام مؤخراً متحف «باليه دو توكيو Palais de Tokyo» بباريس بتنظيم معرض استعادي خاص لأعماله، هذا بالإضافة لعرض عدد ضخم من تلك البوتريهات في «متحف امستردام للتصوير Foam Fotografiemuseum» وذلك كسجل للتغييرات التي اجتاحت غرب القارة الأفريقية نتيجة للحركات التحريرية من الاستعمار.

مسيرة من التميز أخرجت هذا العملاق من القمقم ليسجل بصمته العالمية، هكذا هو الإبداع الأصيل يفرض معادلاته السحرية ويخترق الحدود.