لماذا يضطر الإخوة الضعفاء إلى تحمل تكاليف ومصاريف المحامين سنين طوال للحصول على حقوقهم، ثم تنتهي الدعاوى دون إلزام الطرف المماطل والمحتال بتحمل أتعاب المحامين كاملة غير منقوصة؟!..

شيءٌ لا يكاد يُصدّق ما نرى ونسمع أحياناً عن أشخاص تجردوا من معاني الدين والخلق والفضيلة، واستبدلوها بأبشع صور العقوق واللؤم والخسة، باعتدائهم على حقوق إخوتهم وأخواتهم، بل وأمهاتهم وأقرب الناس إليهم؛ وذلك باستيلائهم على نصيب هؤلاء الإخوة والأهل من ميراث عن والدهم، واستمراء أكله بطرق الاحتيال والكذب والغش والتآمر، غير مراعين لعظيم حرمة الرحم التي بينهم، التي كانت أجدر بأن تحملهم على إيثارهم على أنفسهم، وبذل المعروف لهم وحبّ نفعهم، والسعي لحفظ حقوقهم.

وإذا كان الله عز وجل أوجب برّ الوالدين، وصلة الأرحام، وعظّم شأن ذلك في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن من أعظم العقوق وقطعية الرحم، ارتكاب مثل هذه الأفعال المملؤة خسة ودناءة، وجحوداً ونكراناً للحقوق والمعروف بين الأبناء وآبائهم، والإخوة وإخوانهم.

وإن المتتبع لكثير من القضايا المنظورة أمام المحاكم، يجد عشرات -إن لم يكن مئات- الأمثلة على صور هذا العقوق والنكران، التي يضطر فيها الإخوة المظلومون إلى مقاضاة أخ ٍأو أكثر من إخوانهم للحصول على حقوقهم في تركة مورِثِهم، وتستغرق مثل هذه الدعاوى أحياناً سنوات ٍمن التقاضي والخصومات، حتى يظفر المظلوم بحقه أو بعض حقه؛ وذلك بعد أن اضطر لدفع أتعاب المحامين التي قد تكون باهظة، أو التنازل عن بعض حقوقه للحصول على بعضها الآخر.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل من العدل والصواب أن يستمر الحال على ما هو عليه حالياً، في نظام المحاكم والقضاء، الذي يتعامل مع مثل هذه القضايا باعتبارها خصومات عادية ٍيتنازع فيها أطراف ٌعلى حقوق مالية عادية؟

لماذا لا يعطى أي اعتبار ٍللكثير من العوامل المؤثرة التي يفرض العدل والحق أن يكون لها اعتبار في مثل هذه القضايا، مثل ترك الأخ أو الإخوة الذين يثبت احتيالهم أو تلاعبهم أو مماطلتهم بحقوق إخوانهم أو أمهاتهم يفلتون من العقوبة والتعزير، ويكتفى فقط بالحكم بتلك الحقوق لأصحابها، وكأن إثماً لم يرتكب، ولا جريمةً قد وقعت؟!.

ولماذا يضطر الإخوة الضعفاء إلى تحمل تكاليف ومصاريف المحامين سنين طوال للحصول على حقوقهم، ثم تنتهي الدعاوى دون إلزام الطرف المماطل والمحتال بتحمل أتعاب المحامين كاملة غير منقوصة؟!.

لقد مرّ بي الكثير من الدعاوى التي يعيش فيها بعض الإخوة سنوات من العوز والحاجة والفقر، بينما يتمتع الأخ أو الإخوة الظلمة بالمال وحدهم ينفقون منه ويأكلون ويتمتعون، كما مرّ بي أيضاً بعض الحالات التي يعجز فيها الإخوة المظلومون عن تحمل مصاريف المحامين لأنهم لا يملكون شيئاً، فيضطرون لترك حقوقهم، أو التنازل عن أكثرها والحصول على ما يقبل الأخ الظالم دفعه لهم من نصيبهم.

إن القرار الإيجابي الصادر مؤخراً عن المجلس الأعلى للقضاء بتخصيص دوائر خاصة في المحاكم، لنظر الدعاوى التي تزيد عن مئة مليون ريال، ودعاوى التركات التي تبلغ مئة مليون ريال، يدفعني للمطالبة بقرارات ٍأخرى فاعلة، لمعالجة مثل هذه الدعاوى التي يكون أطرافها ورثة فيما بينهم، وتكون الخصومة فيها بسبب الادعاء أن بعض الورثة استأثر بالتركة أو بعضها دون البعض، وحرم باقي الورثة من نصيبهم، مهما كانت مبالغ تلك التركات، وأن يكون لهذه القضايا آليات خاصة تعالج ما أشرت إليه آنفاً، من إحالة من يثبت احتياله أو مماطلته وحرمانه الورثة أو بعضهم من حقوقهم، إلى النيابة العامة لرفع الدعوى ضده وتعزيره، وتضمينه كامل مصاريف وأتعاب المحامين التي اضطر باقي الورثة إلى احتمالها لمقاضاته، فإنه بمثل هذه الإجراءات نوجد الرادع الكافي، والزاجر الفاعل لذوي النفوس المريضة، والذمم الرديئة، بحيث يفكروا مئات المرات قبل أن يجترؤوا على أكل حقوق إخوانهم وأخواتهم من الميراث.

كما يجب أن تبذل وزارة العدل جهوداً لتوعية الناس بمثل هذه القضايا، وتقديم العون والنصح اللازم للكثير من الناس، مما يعينهم على تجنيب ورثتهم حدوث مثل هذه النزاعات، وذلك بالعناية بالتوثيق التام لكل الحقوق والأموال والتصرفات، والاهتمام بالوصية الشرعية، واجتناب تولية بعض الأبناء على المال ومنحه السلطة في التصرف مع غياب تام ٍلباقي إخوته وأخواته، مما يساعد على زيادة حالات الاحتيال وإخفاء الأموال والتلاعب بها بعد وفاة المورثِ.

وختاماً أعيد التأكيد بأن هذه الأفعال الدنيئة تعتبر من أعظم العقوق للوالد أو الوالدة المتوفين، وقطيعة الرحم مع الإخوة الشركاء في الإرث، ولن يفلح من كانت هذه حاله، ولن ينال من الله بركةً ولا توفيقاً أبداً، ومن لم يردعه القرآن، كان ضرورياً أن يردعه قانون السلطان.