كثير من برامج الموسيقى الأوروبية، تسمى خطأ «الكلاسيكية»، مثلما تسمى المدونات التاريخية الخطأ ذاته، ثابتة بحسب كل بلد، فلعروضها تقاليد تنتمي إلى التراث الثقافي المعنوي الخاص بكل واحدة.

وهي إنتاجات تنتمي إلى إيطاليا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والنمسا وتشيكوسلفاكيا، وآخر بلد أنتجت لنا واحداً ما زال على قيد الحياة، أستونيا - إحدى دول بحر البلطيق شمال أوروبا - ثم انتقلت إلى روسيا عبر العصبة الخمسة، ذات الثقافة الأوروبية لا الروسية.

فقد أنتجت في قرون الأنوار الأوروبية - ما بين القرن السابع عشر والتاسع عشر الميلادي - مجموعة أعمال غنائية مثل المسرحيات الغنائية، تدعى بالأوبرا، والمؤلفات الموسيقية، في أشكالها الرباعية كالسيمفونية والكونشيرتو، والمفردة، ذات التأليف الحر، موضوعة للآلات المختلفة، سواء وترية أو نفخية، وتشكلت في كل بلد أوروبي، فرق مخصصة لها، على أن بلداناً في آسيا وأميركا والبلاد العربية، أسست فرقاً على شاكلتها، وهي لا تعلم أو تشجع موسيقيين في العالم العربي على الثقافة الأوروبية، فقد عاش كثير منهم من الجزائر ولبنان وتونس في بريطانيا وفرنسا وأميركا.

أقول ذلك، لسببين، الأول حضور عرض الأوركسترا الألمانية، التي قدمت ست فقرات، من بينها فقرة مخصصة لقالب الآريا بأداء مغنية، وما يلفت ذلك الإنصات والتوقير، من الحضور السعودي الجميل، على المسرح الكبير، في مركز الملك فهد الثقافي، لأداء المقطوعات، والتجاوب مع ما يلقيه قائد الفرقة، ونهايات كل قطعة موسيقية.

إن ما يجب معرفته أنه بعيد عن عروض الأوبرا أي المسرحيات الغنائية، الموجودة بصور وأشكال مختلفة، في دول مختلفة، أنها بطرق الأداء الطبيعي من الصدر لا الرأس، وهذه تقنيات أداء لا أكثر.

كذلك تلك القطعة الموسيقية المترتبة في رباعية الحركات أو أكثر في المتتالية، هي ألحان شعبية، أعيد تأهيلها لتعزف من دون كلامها وإيقاعها، والعارفون بعلوم الغناء يدركون ذلك.

والدليل أن الحناجر من الندرة، فلا يمكن تجميدها، مثل الآلات التي تتبادل الأدوار، مثلما فعل باخ الذي أسقط الآلات الأندلسية، وأبدلها بآلات أوروبية، لمحو التثاقف العربي – الأوروبي، ولعنه التاريخ بالنسيان حتى أعاد اكتشافه مواطنه فاجنر!.

وفي القرن العشرين، ظهرت التسجيلات السمعية، وذلك لتخليد الحنجرة البشرية، ما جعل القرن الماضي قرن الأغنية بلا منازع.

وأما السبب الثاني، ما أنتجته الجولة الميمونة لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، حين زيارة فرنسا بتوقيع 20 مذكرة تفاهم من بينها خصصت لإنشاء أوركسترا ودار للأوبرا، فلعلها تكون واعدة، بالاتجاه إلى تحويل أعمال غنائية سعودية إلى قطعة موسيقية، تمد في أعمارها وتلهم الأجيال..