للفوز في كأس العالم طعم مختلف عن أي انتصار آخر، حتى وإن كانت آمال بلوغ الدور الثاني معدومة، وهذا ما شعرنا به أمام مصر رغم أن بطاقتي التأهل لدور الـ 16 حسمت منذ الجولة الثانية لمصلحة الأوروغواي وروسيا، ولأن أعداداً كبيرة من المهتمين بكرة القدم في المملكة من فئة الشباب العمرية فإن جُلهم تذوق حلاوة الفوز المونديالي للمرة الأولى رغم مشاركاتنا في أربع نسخ سابقة، لأن آخر انتصار هو ذلك الذي تحقق أمام بلجيكا قبل 24 عاماً وبالتحديد في مونديال أميركا 94م، عن طريق الهدف «العالمي» الذي سجله سعيد العويران وظل عالقاً في أذهان العالم حتى مونديال روسيا، لأنه مع كل بطولة يُستعرض كأحد أفضل الأهداف في التاريخ.

رغم عدم رضانا على خروجنا من دور المجموعات كون الطموحات كانت كبيرة وفقاً للعمل الكبير والحراك الذي شهدته وما زالت تنعم به رياضتنا عموماً وكرة القدم على وجه الخصوص، إلا أن ختام مشاركتنا في روسيا كان مسكاً، لأننا حققنا مكاسب عدة، إذ عدنا للانتصارات المونديالية، وحققنا ثاني أفضل مشاركة في تاريخ تواجدنا مع كبار العالم، وتجاوزنا منتخب بقوة وعراقة المنتخب المصري الشقيق الذي يعد من أقوى المنتخبات العربية ويمتلكه في صفوفه نجوم أساسيين في أقوى الأندية العالمية، محققين الفوز العربي الوحيد حتى الآن في المونديال، ويعد منتخبنا صاحب أفضل مشاركة عربية في تاريخ كأس العالم مناصفة مع الجزائر بثلاثة انتصارات.

تجربة منتخبنا ومشاركته في كأس العالم لا بد أن تحظى بدراسة متكاملة، لمعرفة الإيجابيات بهدف تعزيزها، والمشكلات والنقاط السلبية من أجل تصحيحها وتجاوزها من أجل مستقبل أفضل، فالفوز يجب ألا يجعلنا ننسى أو نتجاهل أخطاء الجهازين الفني والإداري، وتواضع مستويات عدد من اللاعبين الذين خذلونا خصوصاً في مباراة الافتتاح، وغير ذلك من الأمور التي نعمل أنها لن تخفى عن المسؤول.

المرحلة المقبلة تتطلب من المسؤولين أن نبدأ الإعداد من حيث توقفنا وليس من نقطة الصفر، وذلك بوضع خطتي عمل من أجل تطوير «الأخضر»، الأولى قصيرة المدى من أجل تجهيز منتخبنا لكأس آسيا الذي سيقام بعد أشهر قليلة في الإمارات، والثانية خطة طويلة لصناعة جيل جديد قادر على المنافسة خلال النسخ المقبلة من المونديال، ولا مانع أن نستفيد من تجارب من سبقونا في ذلك من الدول المتقدمة كروياً، وواثق من أن جميع الرياضيين من نقاد وإعلاميين وجماهير سيباركون أي خطوات في سبيل تطوير الكرة السعودية، حتى وإن كانت النتائج دون المأمول خلال سنوات التنفيذ، على أن يكون هنالك عمل فعلي في الميدان، بعيداً عن الوعود التي لا تطبق في الواقع.

اتحاد القدم أحسن صنعاً بقراره الأخير الذي يتعلق بعقود اللاعبين السعوديين المحترفين، فأصواتنا بُحّت ونحن نطالب بالالتفاتة لتضخم أسعار اللاعبين وضرورة تقليصها، ليس حسداً لكن لأن واقع رياضتنا يتطلب ذلك، لمعالجة تراجع مستوياتهم وأهمية أن يكافحوا من أجل نيل عقود أكبر من أندية محلية أو حتى عن طريق الاحتراف الخارجي، أو من جهة تكبد خزائن الأندية مبالغ لا يمكن أن تتحملها عطفاً على الموارد المالية والمداخيل.

وبقيَّ أن تتجه سهام المسؤولين نحو «الاحتراف» في الكرة السعودية، وتطبيقه بشكل صحيح، من خلال «اليوم الكامل» وهو تواجد اللاعب في النادي منذ الصباح، واخضاعه لبرامج بدنية وتثقيفية وتطويرية، تساهم في تحسين أدائه الفني والبدني، وتجبره على الابتعاد عن بعض العادات السيئة كالسهر وغيره، فهذا هو السبيل الوحيد لمقارعة المنتخبات الكبيرة.