بعد يوم طويل وعصيب، يتكي بابو على الجدار بعد أن ينهكه العمل، يخرج رسالة من جيبه، يفتحها بشغف، ينكب على قراءتها، ثم يجهش ببكاء عميق، تسقط الرسالة من يده على الأرض في غياب شبه تام، ينهض بتثاقل، ينسل داخل الحارة ويختفي، يغضب بابو من حال القحط العاطفي التي نقابله بها لأنه إنسان له مشاعر وأحاسيس، ومع ذلك فلا أحد منا يبادله هذه الأحاسيس وهذه المشاعر، فهو ساخط لأننا لا نمازحه، ولا نضحك معه، ولا نستمع له، ولا نتحدث معه إلا كلمات شحيحة مثل (تعال صديق روح صديق) وبابو هذا في الثلاثين من عمره، عامل نظافة بسيط شهادته مكنسة طويلة، ومهنته تنظيف الأرصفة والطرقات، في كل صباح ألحظ بابو وهو منهمك في مسح وتنظيف طرقاتنا المتخمة بعلب البيبسي وبقايا البيتزا، نذر نفسه للغربة من أجل هدف سامٍ ونبيل وهو جمع تكاليف زواجه من فتاة أحلامه ميري التي قطعت عهداً على نفسها أن لا ترتبط بأي مخلوق على وجه هذه الأرض مهما كان مركزه الاجتماعي سوى بفارس أحلامها بابو مهما طالت غربته، ولهذا فهو يعمل ليل نهار في سباق مع الزمن لتحقيق حلمه في الاقتران بميري، والعيش معها تحت سقف واحد، وتمضي السنون وهو يناضل من أجل تحقيق حلمه، ويأتي اليوم الموعود ويرحل بابو إلى بلاده مخلفاً وراءه كماً هائلاً من العرق والتعب واللهاث، والسؤال هو من يخلف بابو في مهمته؟ نعم من يخلف بابو في تنظيف الأرصفة والطرقات والأحياء؟ سيصمت الجميع أمام هذا السؤال النووي الذي سيعصف بالجميع، ويشتت الجميع، وتختلف عليه الإجابات، فهناك من يعتبره بادرة شؤم، والبعض الآخر يعتبره سؤالاً غير منطقي، فمن وجهة نظره أن هذا العمل لا يمكن أن يعمل به أبناء الوطن، ناسين أن الأميركان والفرنسيين والإيطاليين والسويسريين على الرغم من شهاداتهم وتفوقهم فإنهم يعملون كقوى بشرية في خدمة بلدانهم بكل شيء بما فيها نظافة الشوارع، بسبب الوعي الذي يتمتعون به، لأنه عمل، والجميع في تلك البلدان يقدس العمل ويحترمه، فعلى الرغم من أن البعض سينتقد بقوة طرحاً مثل هذه الأحلام، ويعتبرها ضرباً من ضروب الخيال، إلا أن الزمن كفيل أن يجيب عليها، وهذا مرهون بحجم الوعي الذي ستتشربه الأجيال المقبلة من خلال التعليم، فكلما ارتفع سقف الوعي عند الشعوب فإنها حتماً ستحدث الفرق، وتتقدم متوحشة بوعي أبنائها، بعض المطعونين بوعيهم سوف يمقتون مثل هذا الطرح، ويعتبرونه تقليلاً من تطلعاتهم، بينما الواقع يقول إن الشعوب والأمم لا تنهض إلا على أكتاف أبنائها.