إلى نهاية الستينات الميلادية كانت هناك صعوبة كبيرة في نقل خبر إثبات عيد رمضان المبارك ورؤية هلال الشهر خصوصاً في بعض مدن وقرى وبوادي منطقة نجد إذ لم يكن الناس قد استوعبوا دعوة بعض المشايخ الثقاة ومنهم الشيخ عبدالعزيز بن باز بالاعتماد على الإذاعة السعودية المعلومة في إشارة إلى إذاعتي جدة والرياض ذلك لأن الكثير لم يكن قد تقبل مسألة اقتناء الراديو أو الاستماع إليه حتى الفتوى نفسها المتعلقة بذلك كانت هناك صعوبة أخرى في نشرها وتأكيدها وتعميمها بين الناس بخلاف حواضر المدن التي كانت أكثر تسامحاً فاستمرت إمارات المقاطعات آنذاك قبل تغييرها إلى مسمى مناطق في اتباع الطريقة القديمة بإرسال مناديب حال تلقي الخبر من الإذاعة أو بواسطة البرقيات فكان ديوان الإمارة مثل إمارة القصيم تتبعها العديد من المدن والقرى والهجر البعيدة في كل الاتجاهات تفتقر للطرق السالكة والمعبدة إضافة إلى محدودية عدد السيارات حتى أن سيارة واحدة يستقلها عدد من الخويا تكلف بتبليغ الخبر حال إعلانه لوجهة تمتد لحوالي 300 كم عبر طرق ملتوية وشديدة الوعورة وفي وقت يفترض أن يكون محدداً وبالتالي يتعذر إيصال الخبر في الوقت المناسب للجميع حتى أن الأسياح التي تبعد عن بريدة حاضرة المنطقة وعاصمتها الإدارية ما يقارب 60 كم حصل في أواخر الستينات الميلادية أنها لم تتلق خبر العيد في أحد الأعياد إلا ضحى اليوم نفسه وفي هذه الحال كان عليهم أن يفطروا ويجتمعوا ويصلوا العيد ومرة أخرى تبلغوه بعد الظهر فاكتفوا بالإفطار لزوال الشمس وصلوا العيد في اليوم التالي. حصل هذا مع إعلان هلال الشهر من خلال الإذاعة في وقت مبكر واعتمدته كبريات المدن بناء على فتاوى العلماء.

في المدن الصغيرة والقرى والهجر ومناطق تجمع البادية التي لم تكن قد استوعبت الفتوى كان الانتظار يصب في قدوم سيارة تتبع لإمارة المقاطعة يرفرف عادة على جوانبها العلم السعودي لتمييزها ويستقلها عدد من الخويا بزيهم المميز وبنادقهم ومحازم الذخيرة. يقف اثنان أو أكثر ملثمين في صندوق السيارة وعند المرور بسوق المدينة أو تجمعات القرية ينادون بأعلى اصواتهم مرددين (عيدوا يا لمسلمين.. اليوم عيد) ويطلقون عدداً من الأعيرة الحية ثم يمضون دون توقف لإدراك الوقت إن لم يكونوا يحملون برقية لأمير أو معرف البلدة.

شفت الروادو مع الشنطات حطّن بصدر الدواويني

وكانت فتوى فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن باز غفر الله له قد شكلت منعطفاً مهما يفترض مع بدايتها أن تكون كافية لو كان الراديو قد انتشر واختفت حالة التوجس التي ما زال يحملها الكثير ولم تصله الفتوى لكنها في كل الأحوال بدأت تكيف الناس مع الوسيلة الجديدة سنة بعد سنة وكان نص الفتوى: من عبدالعزيز بن عبدالله بن باز إلى من يراه من المسلمين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعده:

لقد تكرر السؤال من كثير من الناس عن حكم من سمع خبر دخول شهر رمضان أو خروجه من طريق الإذاعة السعودية بواسطة (المذياع) وهو (الراديو) في القرى التي ليست فيها برقيات هل يعملون بذلك ويعتمدونه أو لا؟ والجواب: لاشك أن الله سبحانه أوجب على المسلمين صيام الشهر برؤية الهلال أو إكمال عدة شعبان، وإفطار الشهر برؤية الهلال أو إكمال عدة رمضان ثلاثين يوماً، والأدلة في هذا المعنى كثيرة. ولا ريب أن الحكومة إذا ثبت عندها دخول الشهر أو خروجه من طريق المحكمة الشرعية أخبرت الناس من طريق الإذاعة وصامت أو أفطرت بذلك، وبذلك يجب على كل من سمع الخبر من الرعية التابعة للحكومة السعودية أن يعتمد خبر الإذاعة إذا سمعه ثقة أو أكثر في الدخول، وثقتان أو أكثر في الخروج، فيصوم بذلك ويفطر تبعاً لإمامه وإخوانه المسلمين، واعتماد المذياع في ذلك أولى وأقرب إلى الأدلة الشرعية من اعتماد البرقية، فإذا صام الناس وأفطروا بخبر(البرق) كما هو الواقع - ولا بأس بذلك بحمد الله- فصيامهم وإفطارهم بسماع الإذاعة السعودية المعلومة بواسطة الثقات أولى وأحرى بالاعتماد. ويلاحظ هنا أن الفتوى اشترطت سماع الخبر المذاع من قبل شاهد أو أكثر في دخول رمضان حكمه حكم الرؤية واثنان في حال خروج الشهر حتى يبلغ لآخرين.

وقبل ذلك كانت الحكومة قد صرفت أجهزة «راديوهات» لبعض «أمراء الهجر» كعهد لهذا الغرض ولسهولة تلقي أخبار دخول الأشهر ومعرفة الأعياد وأخضع البعض منهم لدورة تدريبية عملية على كيفية تشغيلها والتمييز بين الإذاعات وموجات البث الطويلة والقصيرة وتغيير البطاريات وتوجيه الأريل «الانتيل» لكن الإشكالية كما ذكرنا كانت في حالة التوجس التي يحملها غالبية المجتمع عن الراديو الذين لم يقبلوا به ناهيك عما يذاع فيه من أخبار تتعلق بمناسباتهم الدينية حتى عند ما بدأت الأجهزة تنتشر وتستوعب بدأ تصنيف هذه الأجهزة من قبل بعض البسطاء مثل قولهم رادوا فلان كذوب.. ورادو فلان يجيب العلم.

ومن الطرائف التي حدثت مع أول علم الناس بالاعتماد على الإذاعة أن كان هناك قطين من البدو يجتمعون على أحد موارد المياه شرق الأسياح وسمعوا خبر العيد من مذياع اشتراه أحدهم للتو وسهروا تلك الليلة على أهازيج الفرح التي كان يبثها واحتفلوا بالعيد في اليوم التالي وفي آخر النهار تبين أن المملكة مازالت تصوم الشهر وأن الإذاعة التي أخذوا منها الخبر كانت إذاعة الكويت. ومع محاولتهم التكتم على الخبر تسرب إلى أمير الأسياح آنذاك واستدعى كبارهم ثم أحالهم اعتقد الى الشيخ صالح الخريصي رئيس محاكم القصيم رحمه الله للنظر في أمرهم.

لكن الأمر تغير كثيراً مع بداية السنوات الأولى من عقد السبعينات الميلادية عند ما صارت الإذاعة مرجع معتمد ومقبول عند الجميع تقريبا ودخل معها على الخط نفسه التلفزيون الذي وصل إلى القرى والهجر باستحياء رغم ما لقيه من محاربة بعض المتشددين الذين دخلوا عراكاً آخر مع مقتنييه الذين كانوا يعرفونهم من خلال ريش الالتقاط التي ترفع فوق سطوح المنازل.

لكننا وفي تلك الأيام تحديداً نستطيع أن نقول بأنها قد انطوت حقبة مظلمة شبّه فيها من يدخل الراديو إلى منزله بمن ارتكب فحش أو كما كانوا ينطقونها ما دعى ذلك الشاعر الذي كان لا يزال يتمسك بأفكاره المتشددة إلى ذم زمانه والتبرؤ من جيله في قصيدة قال ضمنها:

هيهات من يعتبر هيهات

ماتوا هل الصدق والديني

شفت الروادو مع الشنطات

حطّن بصدر الدواويني

النقص بيّن وله شارات

كثروا جنود الشياطيني

الراديو لم يكن متقبل
البرقيات مصدر وحيد للخبر