دوماً تتكرر الصدمة الجميلة لهبوط الديار أو بالأحرى هبوط الرياض بعد غربة عام، أول ما سنحت لي فرصة حضور الفعالية التي نظمتها الهيئة العامة للثقافة تحت عنوان «سكة رمضان»، وذلك في قلب مدينة الرياض، حيث تم إغلاق شارع عام ما بين شارع العليا والملك فهد بين الفيصلية وفندق الخزامى، وتخصيصه للعرض الثقافي، تتجول في ذلك الشارع وما يدهش ليس فقط مستوى الفنون البصرية المترافقة بتداخل حي مع الجمهور في حوارات وورش عمل للصغار والكبار على السواء، وإنما السلاسة التي يتفاعل بها الجنسان مع الأعمال الفنية البصرية، هناك استرخاء في مظلة من الأمان تضمن للمتفرج ألا تقاطعه تداخلات المتنطعين ولا تشكيك أعداء التغيير، هناك مظلة حماية للحقوق وللممارسات الثقافية تضمنها الدولة، بل وتباركها وتشجع على التنافس في إبداعها، هناك جو صحي تفاعلي راقٍ، ويدهشك مدى سلاسة ذلك التفاعل، إذ يظهر الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للثقافة المهندس أحمد المزيد فجأة تسبقه الكاميرات ويتحرك بين الجمهور ببساطة، عن اليسار تعرض أعمال فيديو فنية وأفلام المخرجين السعوديين الشباب، ويجري نقاش فني معماري، بينما يشهد العرض الحي الذي يقدمه فنان الخط يبدع جداريته على أمتار من البياض تمتد على حائط مخصص لفن الشارع (graffiti)، الحائط والمنصات الخشبية مفتوحة للجمهور؛ للتعبير عن الرأي فناً أو كتابة، الأدهـان والألوان متوفرة للتشجيع على التعبير الحر، بلا رقيب مما يحيل ذلك الحائط لصحيفة للرأي العام، هناك عبارة بخط صغير تستوقف الكثيرين مثيرة الابتسام والفخر (أحب السعودي الجديد I love the new saudi)، وتتلفت حولك تبحث عن السعودي الجديد، الفتيات والفتيان سواء من الفنانين والجمهور المتلقي، يتفاعلون في ورش العمل بحماسة، ويتجاوبون مع الأعمال الفنية ويستقبلون العروض السينمائية، نقطة التحول هنا ليست فقط في مستوى العروض، وإنما في هذا الانفتاح الاجتماعي، هذا الرقي في الانفتاح والذي يقول: إن جوهراً كان يختمر في هذه البلاد، هذه الأعداد الكبيرة من الشباب المتعطش للتغيير والذي كان يعمل بصمت لبناء الذات وتطوير القدرات لتواكب المنجزات الحضارية في الدول المتقدمة سواء في مجالات العلوم أو الفنون أو الآداب.. هناك تلك الأعداد الهائلة من الكفاءات الراجعة بطموحاتها من البعثات العلمية، هناك خريجو الجامعات المحلية والذين لا يقلون طموحاً للمنافسة لإثبات الذات، وها هو الأكسوجين يُضَخُّ بجرأة في تلك القدرات لتتنفس وتعلن عن ذاتها، ها هي مظلة الحماية تأتي من قمة السلطة وتسمح بتفريخ الأحلام المستحيلة، ها هي أول دفعة من حملة رخص القيادة من السيدات تتخرج في مدينة جدة، ها هو المجتمع السعودي يطير بجناحيه المذكر والمؤنث.

الفرد السعودي يتنفس ويتألق، وها هو الستار يرفع عن كل هذا الجمال.