عندما قدم ناصر القصبي، وعبدالله السدحان أول أجزاء "طاش ما طاش" في العام 1993 كان عمرهما لا يتجاوز 33 عاماً، كانا من أهم نجوم الساحة وهما في بداية شبابهما، ووجدا دعماً كبيراً من التلفزيون السعودي يُعبّر عن ثقة المسؤولين فيهما وفي قدرتهما على صناعة عمل سيصبح لاحقاً من أهم الأعمال في تاريخ الدراما السعودية، لم يقل أحد حينها إن هاذين الممثلين صغيران في السن، ولن يستطيعا إنتاج عمل كبير بميزانية ضخمة.

نسوق هذا المثال الآن لتذكير مديري قنواتنا بأن هناك شباباً مبدعين لا يقلّون إبداعاً وتألقاً عن القصبي والسدحان، خاصة السينمائيين السعوديين الذين نالوا الإعجاب في كل محفل شاركوا فيه، داخل وخارج المملكة، كما تميزوا في جميع مشاركاتهم الدرامية التلفزيونية، وآخرها مسلسل "بدون فلتر" الذي كانت أفضل حلقاته من صنع المخرجين الشباب هناء العمير، هند الفهاد، عبدالرحمن عايل، وعبدالعزيز الشلاحي. ومع ذلك لا يبدو أن هؤلاء الشباب قد تمكنوا من نيل ثقة مديري القنوات - ربما لصغر سنهم! -، رغم أن أغلبهم قد تجاوز السن الذي تم فيه تعميد القصبي والسدحان بـ"طاش" الأول.

القنوات التلفزيونية لديها رغبة واستعداد للتعاون مع صنّاع الأفلام الشباب، لكن تحت مظلة نجم كبير، ولم تصل بعد إلى القناعة بأن هؤلاء الشباب جديرون بإنجاز مسلسلاتهم بشكل مستقل، ولا أدري لماذا هذه القناعة التي تظلم الشباب وتستهين بإمكاناتهم؟، ومتى تقتنع هذه القنوات بقدراتهم وتمنحهم المساحة التي يستحقونها؟. مخرجون مثل محمود صباغ، علي الكلثمي، مجتبى سعيد، بدر الحمود، توفيق الزايدي، وغيرهم الكثير.. مايزالون خارج حسابات القنوات التلفزيونية تماماً رغم نجاحاتهم الكبيرة في صناعة الأفلام.

بدلاً من التعاون مع الشباب، أو حتى مجرد الحديث معهم لبحث فرص تعاون قادمة، تذهب القنوات التلفزيونية إلى "النجوم" الكبار وتمنحهم ملايين الريالات لإنجاز مسلسلات بنفس الأسلوب القديم وبذات الأفكار والشخصيات والحبكات الباهتة دون جديد من أي نوع. وسنة وراء سنة يتكرر الإخفاق، وتذهب أموال الإنتاج سدى، وينسى الجمهور هذه المسلسلات تماماً وكأنها لم تكن. ومع وضع درامي هزيل كهذا ما الذي يضر هذه القنوات من التجربة في الشباب؟، فهي في كل الأحوال ستقدم مسلسلات سيئة أو عادية ولن يضيرها بحال التجربة في شباب مبدعين مؤهلين للتطور مستقبلاً.

كل التجارب الشبابية في إطار التلفزيون كانت ناجحة جداً وحصدت متابعة واحتراماً أكبر بكثير مما حققته أعمال "النجوم" الكبار. أعمال مثل "بوصلة" لمجتبى سعيد، و"الشقة رقم 6" لحسام الحلوة، و"مفترق تفكير" لهناء العمير، و"سحب أجزاء" لهند الفهاد، و"أسطوانة غاز" لعبدالرحمن عايل، وغيرها، تثبت أن الشباب قادرون على صناعة أعمال تُشرّف هذه القنوات وترفع من أسهم نجاحها، لكن - ومع ذلك - لم تأت القناة التي تستثمر هؤلاء الشباب وتتعاون معهم بشكل مستقل وبدون وصاية "نجم" كبير.