تحدث ديفيد ليترمان في الحلقة التي استضاف فيها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما عن شيء عميق.. عن الحظ الذي يختصر عليك الكثير من الخطوات نحو النجاح.. الحظ الذي يكفيك دفع الثمن، حيث رفض المذيع الشهير خلال اللقاء بطريقة مؤثرة اعتبار حياته المهنية الناجحة موازية لنجاحات الكثير من المناضلين الحقيقيين في بلاده، قال: إن نجاحه كواحد من أشهر المذيعين في العالم؛ لم يتطلب منه تضحيات بحجم تلك التي قدمها السود في أميركا مثلاً.. يقول إنه كان ثملاً برفقة عدد من أصدقائه (مارس 1965)، عندما أطلق ناشطون سود مسيرات سلمية من مدينة سلماً لتقطع 87 كلم إلى مونغومري مشياً على الأقدام.. حتى نجحوا لاحقاً في فرض قانون الحقوق المدنية للسود.

اقتطع من اللقاء دقائق ليلقي اعترافه الصغير/ العابر رافضاً مقارنته بالأبطال الحقيقيين.. مع أنه كان يمكن أن يمرر هذه المجاملة لو لم يكن في حضرة أول رئيس أسود يجسد ثمرة تاريخ طويل من النضال.

ليترمان في تلك اللحظة وبعد قراءات وزيارات عديدة؛ أدرك أنه لم يك إلا مراهقاً طائشاً فوت فرصة المشاركة في صناعة التاريخ وانشغل بمغريات الحياة، لكن الحظ أسعفه ونجح دون أن يفوت تلك الرحلة.. وبثمن قليل مقابل ما حصده لاحقاً.

قد تنجح وقد تتباهى بنجاحك، غير مدرك لحقيقة أن هذا النجاح الذي حققته ليس إلا مسألة نسبية، وغير مدرك لعدد فرص النجاح الحقيقية التي فوتها من أجل هذا الذي تعتقد أنه نجاح..

دائماً ما يكون هناك ثمن لكل الأشياء الجميلة.. مهما حاول الناجح أن يواريها، هناك ثمن لكل النهايات السعيدة.. الثمن الذي تراه قليلاً ويراه غيرك مكلفاً وصعباً.

السعادة مثلاً ثمنها باهظ.. وهي غالباً مقابل شيء لا يملكه إلا القلة القليلة من الناس.. بعضهم يجدها في القناعة.. وآخرون يشترونها بالعطاء والبذل.. وكم هو مؤلم أن ترى الناس تحسد فلاناً على نجاحه دون أن يدركوا أن الثمن كان ابتعاده عن والدته وانشغاله عنها.. مكانته رائعة ويبدو سعيدًا لكن والدته ماتت دون أن يتمكن من عيادتها في آخر أيامها!!

هذا هو الثمن الذي مازال يدفعه منذ خمسين عاماً دون أن يفي به.. وربما أن نجاحاته المتتالية ماهي إلا قصة هروب من الالتفات للوراء ومن تأنيب الضمير وتذكر تلك الأيام.

قالت له زوجته أن فلاناً ناجحاً ويسكن قصرًا ونحن في شقتنا منذ عشرة أعوام، وهي لا تعرف أن فلاناً يتسلل من قصره كل مساء لينام في شقة «مسيار» بحثاً عن سكن حقيقي يملأ فراغه.

لا يوجد شيء بلا مقابل.. كل شيء له مقابل ليس شرطاً أن تدركه.. أو أن تعرف كم دفع فلان ليستحق ما وصل إليه.!